الرئيسية جزائر مجتمع مغاربي شرق أوسط افريقي دولي الاقتصاد تكنولوجيا معلوماتية علوم صحة ثقافة رياضة فرنسية
الحاصل على نوبل "مايكل كوسترليتز" لـ"للعلم": الفيزياء لا تُحقق الثراء.. والنجاح يتحقق بالحظ وليس الذكاءAlgerian Reporters:الحاصل على نوبل "مايكل كوسترليتز" لـ"للعلم": الفيزياء لا تُحقق الثراء.. والنجاح يتحقق بالحظ وليس الذكاء

الحاصل على نوبل "مايكل كوسترليتز" لـ"للعلم": الفيزياء لا تُحقق الثراء.. والنجاح يتحقق بالحظ وليس الذكاء

الحاصل

عاش مايكل طفولة سعيدة ومستقرة كطفل إنجليزي، لم يكن يعلم أن جذوره تمتد إلى دولة أخرى قريبة، وإن كان قد لاحظ أن والديه مختلفان بعض الشيء عن والدي أصدقائه؛ فقد كانا يتحدثان أحيانًا لغة سرية لا يفهمها سواهما.

ظل الطفل لسنوات لا يعلم أن والديه قد نزحا من ألمانيا إبان فترة حكم "هتلر" بسبب ديانة والده اليهودية. لم يكن حتى ليعلم ماذا يعني أن يكون المرء يهوديًّا! فكل معلوماته عن تلك الديانة استقاها من مزاملته لأطفال يهود في المدرسة، فوقتها كان مَن يدين بتلك الديانة يحظى بعطلات مدرسية أكثر!

في عام 1934، هاجر والداه -الطبيب "هانز والتر" وحبيبته "جوانا ماريا كوسترليتز"- إلى اسكتلندا. فهانز، المنتمي إلى عائلة يهودية كان ممنوعًا من الزواج من أي امرأة غير يهودية مثل حبيبته. كانت سبل العيش قد ضاقت عليه؛ إذ منعته يهوديته من الحصول على أموال مقابل عمله كطبيب في برلين.

وفي ظل تلك الظروف الصعبة، قرر "هانز" وصديقته "جوانا" مغادرة ألمانيا وقبول عرض بأن يصبح محاضرًا في جامعة أبردين في اسكتلندا. وهناك تسنى لهما الزواج. انقطعت كل صلاتهما بوطنهما؛ إذ كانا يتحدثان الإنجليزية في المنزل ولا يستخدمان اللغة الألمانية إلا فيما ندر، حتى إن ابنهما "مايكل" كان يتحدث الإنجليزية فقط، حتى درس القواعد الأساسية للغة الألمانية في المدرسة.

فى حواره مع "للعلم" على هامش الاجتماع السنوى التاسع والستين للفائزين بنوبل، والذي أقيم في مدينة «ليندوا» بمقاطعة بافاريا الألمانية، يحكي "مايكل كوسترليتز" عن عائلته، وعن الحظ في حياته، وعن عمله الذي قاده إلى الفوز بنوبل، وعن علاقته بأستاذه ورفيق عمله، الذي فاز بنصف جائزة نوبل للفيزياء لعام 2016 "ديفيد ثاوليس".

نص الحوار:

-الفيزياء علم ليس سهلًا في نظر الكثيرين.. فكيف كانت رحلتك من البداية وحتى الحصول على أعلى جائزة علمية في العالم "نوبل"؟

في أثناء الدراسة كانت تستهويني العلوم والرياضيات؛ لأنها تخضع للمنطق. لم أكن مهتمًّا بالعلوم الإنسانية؛ لأنها تتطلب ذاكرة قوية، وأنا أفتقر إلى تلك الميزة. كما أنني لم أكن بارعًا في الآداب أو اللغات.

كنت أحب الكيمياء، خاصةً الجزء المتعلق بإجراء التجارب في المعمل ووضع المواد بعضها مع بعض. وانتظار ما سيحدث. واجهتني مشكلات جعلتني أدرك أنني لن أنجح في الكيمياء، فقد بدأت تواجهني صعوبة في حفظ المعادلات المعقدة، كما أنني اكتشفت أني أعاني من عمى الألوان، ما يجعلني غير قادر على تمييز لون المادة في أنبوب الأختبار، وكاد ذلك أن يتسبب في كوارث.

سرعان ما أدركت أنني لم أُخلق للكيمياء وهي لم تُخلق لي. لعل من حسن حظي أن استطعت في سن السادسة عشرة أن أحدد بالضبط الموضوعات التي تهمني والتي أستمتع بدراستها، وهو شيء في غاية الأهمية. وجدت ضالتي في الفيزياء، كنت أشعر بالمتعة وأنا أدرسها، كنت أميل إلى الفيزياء النظرية، والتي كان والدي مغرمًا بها هو الآخر، رغم أنه لم يدرسها.

وفي أثناء دراستي الجامعية في "كامبريدج"، اخترت دراسة الفيزياء والرياضيات والكيمياء والكيمياء الحيوية، ولكن عمى الألوان وقف عائقًا بيني وبين دراسة الكيمياء، كما أن ضعف الذاكرة جعل من دراسة الكيمياء الحيوية كابوسًا.. فالتخمين لم يكن لينجح دائمًا. حينذاك، أدركت أن الفيزياء هي المجال الأكثر مناسَبةً لي. وبعد ست سنوات قضيتها في كامبريدج انتقلت إلى جامعة أوكسفورد.

أما عام ما بعد الدكتوراة فقد قضيته بمدينة تورينو الإيطالية. كانت الخطوة المنطقية التالية هي العمل في المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية "سيرن" بسويسرا. لكن الإهمال وعدم النظام تسببا في ضياع فرصة العمل في "سيرن"؛ إذ أرسلت طلب التقدم للوظيفة بعد الموعد المحدد، ولم تكن هناك أماكن شاغرة، وقيل لي أن أعاود المحاولة في العام التالي، وكانت النتيجة أن أصبحت بلا عمل.

صديقتي آنذاك، زوجتي الحالية، اشترت الجريدة التي تحوي إعلانات الوظائف الأكاديمية، ووضعتها على منضدة المطبخ وقالت بلهجة حاسمة : "قدم طلب التحاق بإحدى تلك الوظائف". نفذت نصيحتها وقدمت على وظيفة في جامعة برمنجهام. والحقيقة أن برمنجهام كانت آخر مكان يمكنني أن أقصده، فهي مدينة صناعية كبيرة في المنطقة المسطحة بوسط إنجلترا، وأنا مدمن لرياضة تسلق الصخور، لذلك كنت أريد أن أكون قريبًا من الجبال، ولكن في ذلك الوقت لم يكن لديَّ أية خيارات، فقبلت العرض. بعد ذلك جاءتني فرصة ذهبية وابتسم لي الحظ حين عُرض عليَّ العمل مع ديفيد ثاوليس. وهنا بدأت الرحلة ولم تنتهِ بعد.

Mohamed Mansour

-قبل أن تسترسل في الحكي عن الرحلة وشرح العمل المبهر الذي قادك إلى الفوز بنوبل قل لنا، هل يحتاج عالِم مجتهد مثلك إلى الحظ؟

لا شك أن كل إنسان على وجه الأرض يحتاج إلى الحظ، الاجتهاد مهم طبعًا، ولكن ليس بالضرورة أن يقودك إلى تحقيق النجاح. وإن كان لي أن أقيِّم تجربتي الشخصية، فأنا أرى أن نجاحي يمكن إرجاعه إلى 95% من الحظ و5% فقط من الذكاء والاجتهاد!

-كيف كانت تجربتك مع ديفيد ثاوليس الذي شاركتماه أنت وهيلدين في الجائزة؟

لا يمكن أن أنسى اليوم الأول للعمل مع ثاوليس، بدأ يشرح لي إحدى المعادلات على السبورة فلم أفهم كلمة، استوقفته حتى يشرح لي من أين جاءت المعادلة الأولى التي كتبها، فاستجاب على الفور وشرح لي شرحًا وافيًا واضحًا.

أدركت منذ اللحظة الأولى أن عملي مع هذا الرجل سيجعلني أرى أشياء كثيرة جديدة وغير مفهومة، تعلمت أنه حين يستعصي عليَّ الفهم يجب أن أستوقفه ليشرح لي.

كان ثاوليس عبقريًّا، دماغه يعمل على مستوى مختلف، فأنا بالمقارنة به، لم أكن سوى أحمق. ومن حسن الحظ أنني لم أكن أشعر مطلقًا بالحرج حين يستعصي عليَّ فهم ما يقول، فأنا أعلم أنه سيشرح لي. وكانت تلك الطريقة في التعامل تناسبنا، فقد كنا منسجمَين في العمل معًا إلى أقصى درجة، وكتبنا بالفعل معًا عدة أوراق بحثية.

كان عملنا معًا يتعلق بالفيزياء الكلاسيكية وليس ميكانيكا الكم، وبعد سنوات هاجر ثاوليس إلى الولايات المتحدة وبدأ يعمل على تطبيق الطوبولوجيا على ميكانيكا الكم مع هيلدين، الذي فاز معنا أنا وثاوليس بجائزة نوبل في الفيزياء لعام 2016.

المثير للاهتمام أن نوبل توَّجت قطعتين من العمل المرتبط ببعضه والمفترق في الوقت ذاته، العمل الأول قام به ثاوليس معي، والعمل الثاني قام به ثاوليس أيضًا ولكن مع هيلدين. أي أن نوبل ذهبت إلى 4 أشخاص منهم شخص مكرر، وكان ذلك بمنزلة خرق لقاعدة الجائزة التي تقضي بأن أقصى عدد يمكن أن يفوز بالجائزة هو 3، لكن ما جعل الأمر ممكنًا هو تكرار شخص ثاوليس في العملين اللذين استحقا الجائزة.

-هل من الممكن أن تشرح لنا بشكل مبسط العمل الذي جعلك وثاوليس تفوزان بالجائزة؟ وهل هناك أي تطبيقات لعملكما؟

السؤال الخاص بالتطبيق يوجه إليَّ دائمًا، وللأسف دائمًا أجيب بأن نصف الجائزة الذي تقاسمته أنا مع ثاوليس كان مجرد حل لإشكالية قديمة في الفيزياء النظرية، فهو لا يُعنى بأي تطبيقات من أي نوع.

أما نصف الجائزة الآخر الذي تقاسمه ثاوليس مع هالدين فمن الممكن أن تكون له تطبيقات في الحواسيب الكمية، والغريب أن ثاوليس وهالدين فازا بنصف الجائزة قبل أن يدخل أيٌّ من هذه التطبيقات حيز التنفيذ.

أما فيما يخص سبب حصولنا على نوبل فقد كشفت أبحاثنا آفاقًا جديدة فيما يتعلق بسلوك المادة عند درجات الحرارة المنخفضة.

قديمًا، وحتى بداية ستينيات القرن العشرين كان هناك إجماع بين العلماء، مفاده أن التحولات الطورية للمادة -مثل الموصلية الفائقة والميوعة الفائقة- لا يمكن حدوثها في الأنظمة ثنائية الأبعاد حتى عند الصفر المطلق، وذلك بسبب التذبذب الحراري. لكن في بداية سبعينيات القرن العشرين توصلت أنا وثاوليس إلى أن الأنظمة الباردة ثنائية الأبعاد قد تمر بالفعل بتحول طوري من خلال ظاهرة غير متوقعة، وهي تكوُّن أزواج من الدوامات عند درجات حرارة شديدة الانخفاض، ومع ارتفاع درجات الحرارة فوق حدٍّ معين تنفصل الدوامات وتبتعد. وهذا التحول الطوري الذي نُسب إلينا وسُمي "تحول ثاوليس-كوسترليتز" عام وشامل، ويُستخدم حاليًّا لدراسة الموصلية الفائقة في الطبقات الرقيقة، ويفسر كذلك لماذا تتبدد الموصلية الفائقة عند درجات الحرارة المرتفعة.

وبعد ذلك في ثمانينيات القرن العشرين، أثبتت أبحاث ثاوليس وهيلدين معًا أهميتها الكبيرة في تطوير وفهم العوازل الطوبولوجية، وهي مواد جديدة تمنع تدفُّق الإلكترونات في أجزائها الداخلية، ولكنها مع ذلك تسمح بتوصيل الكهرباء عبر أسطحها. ويمكن لهذه الخاصية الفريدة أن تجعل العوازل الطوبولوجية مفيدةً للغاية في التوصل إلى أنواع جديدة من الجسيمات الأساسية، وفي تكوين مجموعة الدوائر الكهربائية داخل أجهزة الكمبيوتر الكمية. ويناقش العلماء بالفعل تصنيع موصلات فائقة طوبولوجية ومعادن طوبولوجية، تتمتع بإمكانات هائلة لاستخدامها في تطبيقات جديدة في مجالي الحوسبة والإلكترونيات.

-هل كان لوالدك تأثير عليك؟ وماذا عن تأثيرك على أولادك؟

والدي جاء من عائلة يهودية غير متدينة. وقد نزح إلى إنجلترا من ألمانيا. كان مغرمًا بالفيزياء النظرية، وكان أمله أن يدرسها، ولكن والده لم يكن على استعداد ليُنفِق على تعلُّمه ذلك العلم النظري. فدرس الطب ونبغ فيه وأصبح أستاذًا في جامعة أبردين. كان والدي من أوائل الذين اكتشفوا الأفيونات، وكان يشك أن الدماغ يحتوي على مادة طبيعية لها نفس تأثير المورفين، وهدف إلى عزل تلك المادة لاستخدامها كمسكن، فقرر أن يُجريَ تجارب على أدمغة الخنازير. كان يرسل تلاميذه بزجاجات الخمر ليبدلوها بأدمغة الخنازير، لكنه عدل عن فكرته وأوقف الأبحاث والتجارب حين اكتشف أن المورفين يحول الأشخاص إلى مدمنين.

المفارقة أن والدي كان أمله أن يدرس الفيزياء النظرية ولكنه لم يدرسها، ودرستها أنا وحصلت على نوبل. ليست لديَّ أي فكرة هل كان والدي سيفوز بنوبل لو درس الفيزياء النظرية؟ ولكني على يقين من أنه لو تسنَّى له أن يدرس ما يحب لكان سينجح؛ فقد كان رجلًا ذكيًّا. أما أولادي الثلاثة فقد تركت لهم كامل الحرية ليدرسوا ما يحلو لهم، فقد درست ابنتي الكبرى علاقات عامة، وابنتي الصغرى درست الحقوق، أما الابن الأوسط فقد درس الطب، ولكنه مثل والده، مغرم بالدراسات النظرية، لذا لا يزال عاطلًا!

-في عام 1903 فازت ماري كوري بجائزة نوبل في الفيزياء، وفازت بالجائزة ذاتها ماريا ماير 1963، والعام الماضي فازت دونا ستريكلاند؟ لماذا في رأيك من ضمن 51 سيدة فُزنَ بنوبل ثلاث فقط هن اللائي فُزن بها في مجال الفيزياء؟

هذا السؤال يحتمل العديد من الاجابات، ولكن لديَّ نسختي الخاصة من الإجابة، وهي أن النوع الأنثوي لديه قدرٌ كافٍ من الذكاء يجعله ينأى بنفسه عن هذا المجال الصعب الذي لا تتوافر فيه فرص العمل.

بوجه عام، المرأة التي تعمل في مجال العلوم تواجه تحديات كثيرة. فلا يزال هناك نوع من التمييز ضد المرأة. إن التفكير الكلاسيكي يضع في اعتباره أن النوع الانثوي لا بد من أن يكون متفرغًا لإنتاج الأطفال وتحضير الطعام وما إلى ذلك. تجربتي الشخصية علمتني أن النساء في منتهى الذكاء ولا يجب أن يكون هناك أي تمييز ضدهن، ومَن يشك في كلامي عليه أن ينظر إلى ما فعلته ماري كوري! هناك عدة مجالات تهيمن عليها النساء ومجالات أخرى يهيمن عليها الذكور، منها الفيزياء.

-إذا كان عليك أن تقدم نصيحة واحدة لشباب الباحثين، فماذا ستكون؟

-نصيحتي لكل إنسان أن يعمل ما يحب ويتبع شغفه. فإذا كنت تحب الفيزياء وتستمتع بها فاعمل بها، خاصةً إذا لم يكن لديك مانع أن تعيش وتموت وأنت من الفقراء.

القراءة من المصدر

الاشتراك في الخدمة البريدية اليومية

اخر الاخبار في بريدك الالكتروني كل يوم

إقرأ أيضا