الرئيسية جزائر مجتمع مغاربي شرق أوسط افريقي دولي الاقتصاد تكنولوجيا معلوماتية علوم صحة ثقافة رياضة فرنسية
صحراء الواحات البحرية كانت غابات واحترقت قبل 100 مليون عامAlgerian Reporters:صحراء الواحات البحرية كانت غابات واحترقت قبل 100 مليون عام

صحراء الواحات البحرية كانت غابات واحترقت قبل 100 مليون عام

صحراء

في حريق هو الأشد منذ عقود، اندلعت النيران في كبرى غابات العالم، غابات الأمازون، التي يطلق عليها "رئة الكوكب"؛ إذ تنتج ما يقرب من 8% من الأكسجين الذي يتنفسه الكوكب الأرضي، لتجتاح الحرائق مساحات شاسعة منها وتلحق أضرارًا جسمية، تسببت في قلق محلي وعالمي مما يمكن أن يسببه الحريق من كوارث بيئية.

لا بد وأن ذلك القلق قد وصل إليك وتساءلت عن مستقبل الكوكب، وعن تبعات تلك الكوارث التي تضرب العالم من وقت لآخر. ولأن الماضي هو مفتاح فهم الحاضر، فربما من الصواب أن نرجع بآلة الزمن إلى الوراء، لنفهم ديناميكية هذا الكوكب الفذ، ونجيب عن كل هذه التساؤلات.

هذا بالضبط ما فعله فريق مصري من باحثي جامعة المنصورة، بالتعاون مع جامعة توبنجن الألمانية، حين أجروا دراسة استقصائية، أثبتوا فيها للمرة الأولى أن الغابات التي كانت تغطي الجزء الغربي من مصر في العصر الطباشيري قبل نحو 100 مليون عام، حدثت فيها حرائق ضخمة بصفة متكررة وعلى فترات زمنية متتابعة، ما تسبب في فقدان تلك الغابات لبعض من تنوُّعها البيولوجي.

في تعليقه على ذلك الكشف يتحدث "هيثم العطفي" -الأستاذ المساعد بقسم الجيولوجيا بجامعة المنصورة، والباحث الأول في الدراسة- لـ"للعلم" قائلًا: "دراستنا تضع دليلًا دامغًا على حدوث حرائق غابات متكررة في منطقة الواحات البحرية خلال العصر الكريتاسي قبل نحو 100 مليون عام". ويضيف "العطفي": يمكننا أن نضيف نتائجنا إلى لائحة طويلة من الدلائل التي تثبت أن العصر الكريتاسي كان مليئًا بمثل هذه الكوارث الطبيعية، التي أسفرت عن انقراض الديناصورات في نهاية ذلك العصر.

حينما كانت الصحراء "غابات"

يعود تاريخ صحراء الواحات البحرية الواقعة الآن في صحراء مصر الغربية إلى أكثر من مئة مليون عام، إذ وُجدت فيها حيوانات فريدة من نوعها. كانت تلك الصحاري عبارة عن غابات مطيرة ورطبة ذات أوراق عريضة، كما كان هناك نهر أمدَّ المنطقة بالمياه العذبة.

في تلك الغابات القديمة التي كانت جزءًا من "رئة الكوكب" أيضًا آنذاك، عاشت أنواع عدة من النباتات الصنوبرية والسرخسيات وكاسيات وعاريات البذور، كما كانت تلك المنطقة موطنًا لعدة أنواع من الديناصورات آكلات العشب، وأخرى من آكلات اللحوم، إلى جانب زواحف بحرية وتماسيح وسلاحف وأسماك عاشت في أنهار تلك الغابات القديمة وجداولها، وغيرها من الحيوانات والنباتات القديمة والمنقرضة.

جمع باحثو جامعة المنصورة عينات صخرية من صحراء الواحات البحرية في عام 2016، وبإجراء تحاليل وفحوصات باستخدام تقنيات ميكروسكوبية متطورة، أسفرت الفحوصات عن وجود كميات كبيرة من الفحم على مستوى ميكروسكوبي من حيث الحجم، كما عُثر على مستويات جيولوجية مختلفة في المتكون الجيولوجي (طبقة جيولوجية ذات تركيب معين ومدى محدد من العمر) الذي سمي على شرف الواحات البحرية "بحرية" "Bahariya Formation".

وجود تلك الكميات من الفحم في تلك المستويات الجيولوجية المختلفة قاد الباحثين إلى استنتاج علمي يثبت بما لا يدع مجالًا للشك اندلاع حرائق ضخمة هزت تلك الغابات القديمة على نحو متكرر قبل نحو 100 مليون عام.

خريطة توضح الأماكن التي سجلت بها أدلة علي حرائق غابات في الفترة المتأخرة من العصر الطباشيري.Credit: Tarek Anan

ولكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا وبقوة، إذا كانت تلك المنطقة قد سُكنت من قِبَل الديناصورات والحيوانات الضخمة، فهل يمكن أن تكون هذه الحيوانات المرعبة قد تأثرت بتلك الحرائق القاسية؟

يجيب "طارق عنان" –الأستاذ المساعد بقسم الجيولوجيا بجامعة المنصورة، والباحث الثاني في الدراسة- في تصريحاته لـ"للعلم": لقد أثرت تلك الحرائق على البيئة القديمة في شمال أفريقيا بكل مشتملاتها، بما في ذلك الديناصورات الضخمة وباقي المحتوى الحيواني والنباتي.

ديناصورات على أرض مصر

في خريف 1910، قرر عالم الحفريات الألماني "إرنست سترومر" الحضور في رحلة إلى مصر، للبحث عن الحفريات الفقارية، وتم اختيار الواحات البحرية هدفًا للبحث، واستعان بجامع الحفريات "ريتشارد ماركجراف". استمرت الرحلة قرابة 5 أشهر، وجد فيها "سترومر" الكثير من الحفريات التي صنفها بعد ذلك.

وفي عام 1915، وبعد عودته إلى ألمانيا، قام بتصنيف نوع جديد من الديناصورات المصرية، أطلق عليه اسم Spinosaurus aegyptiacus (سبينوصورس أيجيبتيكاس)، أو ما يعرفه العلماء باسم "الديناصور المصري ذو الأشواك". ولنعرف أكثر عن هذا الكائن المرعب سنضبط آلتنا الزمنية على 95 مليون سنة، لنرى هذا الوحش في بيئته الطبيعية.

بطول يصل إلى 18 مترًا ووزن يجاوز 11 طنًّا، فإن سبينوصورس هو أكبر القتلة التي دبت على وجه الأرض، وهو كذلك أضخم الديناصورات آكلات اللحوم التي حكمت كوكبنا بلا منازع.

يمتلك سبينوصورس فكًّا تمساحيًّا قويًّا وأسنانًا مخروطية حادة وضخمة، بالإضافة إلى مخالب قوية وفتاكة. ومن أغرب خصائص هذا الديناصور المرعب أنه كان يمتلك أشواكًا عظمية بشكل شراع في فقرات ظهره ويصل طولها إلى 1.8 متر، وهذا الشكل الشراعي يعتقد العلماء أنه ربما كان السبينوصورس يستخدمه كي يساعده على تنظيم درجة حرارة جسمه، وربما كان هذا الشراع مستخدمًا في طقوس التزاوج، أو ربما لإخافة الأعداء.

يقتات سبينوصورس على الديناصورات الأخرى والأسماك الكبيرة، وهو ديناصور عاش في شمال أفريقيا حيث اكتُشفت عظامه لأول مرة في مصر، في الواحات البحرية على الجانب الشرقي من النظام النهري القديم، الذي تمثل أيضًا منطقة كِمكِم بالمغرب حدوده الغربية، ولذا أعيد اكتشاف عظامه مرة أخرى في المغرب والجزائر. عاش سبينوصورس بالقرب من المسطحات المائية العذبة، وكان أكبر القتلة؛ لأنه كان بإمكانه استغلال البيئة بنجاح كبير، فهو في بيئته في الماء والمفترس الأكثر ضخامةً على اليابسة.

لم تكن العينات التي وجدها سترومر في بعثته متاحةً للدراسة إلا عام 1922، أي بعد 9 سنوات من نشر الدراسة. وعام 1932 قام "سترومر" بتصنيف نوع جديد من الديناصورات المصرية والإعلان عنه، وأطلق عليه اسم Carcharodontosaurus saharicus، ويعني "السحلية ذات أسنان القرش" وهو يشبه بعض الشيء ديناصور "تي ريكس"، ولكنه أكبر منه، وعاش قبل 100 مليون سنة تقريبًا.

عام 1932، صنف سترومر نوعًا جديدًا من ديناصورات الواحات البحرية، وأطلق عليه Aegyptosaurus baharijensis، ومعناه "السحلية المصرية"، وهو ديناصور عاشب، عاش في أفريقيا منذ حوالي 95 مليون سنة مضت. ثم أعلن سترومر عن تصنيف ديناصور جديد من ديناصورات الواحات البحرية، وأطلق عليه “Bahariasaurus ingens”، ومعناها "سحلية بحرية"، واعتمد على ما تم جمعه من عظام الحوض وأجزاء من الأضلع، وهو ديناصور عاش قبل 95 مليون سنة.

لسوء الحظ تم تدمير كل العينات التي جمعها سترومر من الواحات البحرية في قصف جوي على متحف ميونخ في 24 أبريل عام 1944، في أثناء الحرب العالمية الثانية، حيث تم حفظ العينات. لكن البحث عن الديناصورات المصرية لم يتوقف، وبالفعل استطاع عالم الحفريات "جوشوا سميث" عام 2001 اكتشاف نوع جديد من الديناصورات آكلات العشب التي عاشت في الواحات البحرية، ويُعد من أضخم الديناصورات التي وُجدت، إذ يصل وزنه إلى ما يقرب من 50 طنًّا، ويرجع عمره من 93 إلى 99 مليون سنة. تمت تسميته بـ"Paralititan stromeri"، ومعناه "عملاق المد"، وكلمة "stromeri" تكريمًا لعالِم الحفريات الألماني "Ernst Stromer"؛ لأنه كان السبب في إلهام الفريق للبحث في الواحات البحرية.

"عملاق المد" وغيره من الديناصورات العاشبة ربما كان يحتاج إلى أطنان من أوراق الشجر للغذاء، ولذا فإنه بلا ريب تأذى من تلك الكوارث والحرائق التي عصفت ببيئته القديمة.

يقول "عنان": لا بد أن الديناصورات التي استوطنت الواحات البحرية قديمًا، كانت عرضةً لتبعات تلك الحرائق الضخمة، شأنها شأن باقي أعضاء النظام البيئي في تلك المنطقة آنذاك.

الكوكب يحترق

بعد 15 دقيقة من ظهور ضوء ساطع فوق سماء بحر يوكاتان القديم، اندلعت عاصفة نارية مهولة فوق ظهر الأرض، أعقبتها موجات تسونامي مرعبة، غمرت السواحل الشرقية لأمريكا الشمالية والجنوبية. أسهمت كل تلك العمليات المناخية في ترسيب طبقة من الرماد يبلغ سمكها 130 مترًا وحطام محترق من الأرض إلى البحر. كانت درجة حرارة الانفجار عاليةً بما يكفي لتفتيت الصخور، وإرسال كميات كبيرة من مركبات الكبريت إلى الغلاف الجوي للأرض.

ذلك السيناريو وفقًا لدراسة حديثة نشرتها مجلة PNAS في بحث يصف بالتفاصيل الدقيقة للغاية الأحداث التي حصلت في الـ24 ساعة التي أعقبت ارتطام النيزك، الذي قضى هو والبراكين على الديناصورات بالأرض. ويثبت البحث بالدليل القطعي ولأول مرة السيناريو الذي كان يفترضه العلماء لانقراض الديناصورات من حرائق غابات مهولة وأحداث تسونامي مرعبة. كما أثبت الباحثون أنه في هذا اليوم الأسود كان هناك ما يزيد على 325 مليار طن مربع من الكبريت السام في الكوكب، ساعدت على قتل 75% من أشكال الحياة على وجه الأرض.

في تعليقه على دراسة الفريق المصري وحرائق غابات الواحات البحرية، قال "شون جوليك" -أستاذ الجيوفيزياء بجامعة تكساس، والباحث غير المشارك في الدراسة، والمؤلف الرئيسي لدراسة PNAS- لـ"للعلم": إنها دراسة قيمة، وأعتقد أن هذه النتائج في دراستنا أو في دراسة الفريق المصري، ما هي إلا دلائل أكثر وأكثر على التقلبات المناخية الضخمة التي عصفت بالكوكب في العصر الطباشيري.

غابات البحرية وغابات الأمازون

بدأ تشكُّل أولى الغابات على سطح الأرض في نهايات العصر الديفوني (من 415 مليون سنة إلى 360 مليون سنة تقريبًا)، وزادت نسبة الأكسجين في الغلاف الجوي بنسبة كبيرة مع انتشار الغابات على سطح الأرض، مما ساعد أكثر في زيادة عدد الحرائق لأسباب مختلفة. وكان ذلك قبل ظهور الإنسان على سطح الأرض بمئات ملايين السنين.

على مدار الفترة الأخيرة كانت حرائق غابات الأمازون هي الموضوع الأبرز على الساحة الإعلامية في كل البلدان، وزاد الحديث عن مخاطر حرائق الغابات وتأثيرها الضار على المناخ والنظام البيئي. إلا أن أحدًا لم يتحدث عن ماضي تلك الحرائق وطبيعتها المتقلبة.

إلى حدٍّ ما فإن ثمة تشابهًا بين غابات الأمازون وقرينتها في الواحات البحرية قبل نحو 100 مليون عام، إلى جانب ظروف بيئية متقاربة تجعل من المقارنة بين الحدثين أمرًا ممكنًا.

يضيف "عنان": هناك علاقة وطيدة بين تلك الحرائق التي يتم تسجيلها على مدار التاريخ وحرائق الأمازون، فنحن نعيش في احتباس حراري شبيه نوعًا ما بما كان في تلك الفترة، إلى جانب أن الأمازون تحوي أنواعًا مختلفة من النباتات تشبه إلى حدٍّ كبير تلك التي عاشت في غابات الواحات البحرية.

هل يمكن أن تسهم الحرائق في تعزيز التنوع البيولوجي؟
تكون النيران أحيانًا مفيدة -وحتى ضرورية- لدورة حياة بعض النباتات، وتكمن أهمية حرائق الغابات في أنها تسهم في إنبات أشجار وغابات أخرى من الغابات التي احترقت. ويرجع السبب في نشأة أشجار وغابات أخرى إلى انطلاق الملايين من البذور التي يحملها الهواء الساخن بفعل النيران، والتي بدورها تقوم بتشكيل غابات جديدة في مساحات جديدة، وبهذا تنشأ حياة جديدة مع أماكن نمو الغابات، ما يسهم في زيادة التنوع الحيوي.

كما أن الحرائق تسهم في زيادة خصوبة التربة؛ بسبب ما تخلِّفه من رماد يحتوي على المغنيسيوم والكبريت والبوتاسيوم والفوسفور وعناصر أخرى لازمة لنمو النباتات، إضافة إلى قيامها بالقضاء على الشجيرات الصغيرة الجافة، التي لا تترك مجالًا لنمو الأشجار الكبيرة، وتتيح الفرصة لأشعة الشمس للوصول إلى أرضية الغابات.

كما أن بعض الأشجار لا تتفتح حاويات بذورها إلا بفعل الحرارة العالية، فتسقط وتتطاير بفعل الهواء الساخن، مما يسهم في نقلها إلى أماكن أخرى لتكوين غابات جديدة. وبعض أنواع الأشجار تصبح مهددةً بالانقراض ما لم تحدث حرائق في الغابات التي توجد فيها تلك الأشجار.
مثلًا أشجار الصنوبر الأحمر التي يصل ارتفاعها إلى 80 قدمًا قد لا يمكنها أن تعيد دورة حياتها من دون حرائق الغابات.

وعندما يتم قمع حرائق الغابات بانتظام، تتراكم كميات كبيرة من الكتلة الحيوية الميتة في أرضية الغابات، مما يزيد من فرص نشوب حرائق أكبر بكثير، يصعب السيطرة عليها، وتعرِّض التجمعات البشرية القريبة لأخطار وأضرار أكبر ناجمة عن تلك الحرائق. لذا فإنه رغم أن كوكبنا مر ويمر بكوارث طبيعية بكمية كبيرة، إلا أنه يعرف جيدًا كيف يتعافى ويعود إلى الحياة.

القراءة من المصدر

الاشتراك في الخدمة البريدية اليومية

اخر الاخبار في بريدك الالكتروني كل يوم

إقرأ أيضا