الرئيسية جزائر مجتمع مغاربي شرق أوسط افريقي دولي الاقتصاد تكنولوجيا معلوماتية علوم صحة ثقافة رياضة فرنسية
Algerian Reporters:السجن ليس إصلاحًا ولا تهذيبًا

السجن ليس إصلاحًا ولا تهذيبًا

السجن

كان الفيلسوف الإنجليزي الشهير "جيرمي بنثام" في زيارة خاطفة لشقيقه "صموائيل"، الذي كان يعمل مُديرًا في منشأة صناعية بروسيا البيضاء. لاحظ "بنثام" جودة أنظمة المراقبة في المصنع، التي تسمح لشخص واحد بمراقبة العمال في أثناء تأديتهم مهماتهم المختلفة.

عاد "بنثام" إلى بلده، وقرر استدعاء المهندس المعماري الشهير "وايلي ريفلي" وكلَّفه بوضع تصميمات لـ"سجن" دائري، يُمكّن الحارس الواحد من مراقبة كل السجناء في الوقت نفسه، فالفيلسوف الشهير كان قد اقترح في النصف الثاني من القرن الثامن عشر فكرة بناء السجون، بديلًا للإعدامات.

فقبل "جيرمي بنثام" لم يكن الغرض الأصلي من حبس شخصٍ ما داخل السجن هو معاقبته، بل كانت السجون وسيلة لإبقاء مرتكبي الجرائم محتجزين حتى يتم تنفيذ عقوبتهم الفعلية، والتي غالبًا ما تكون بدنية، كالإعدام، أو الجلد بالسياط، أو حتى تقطيع الأطراف.

غير أن الرجل كان يُعارض وبشدة تنفيذ العقوبات البدنية، ويراها ازدراءً للطبيعة البشرية والكرامة الإنسانية، فقرر عرض فكرة بناء سجن يكون الغرض منه معاقبة الخارجين عن القانون بقضاء فترة تطول أو تقصر وفق الجريمة المُرتكبة. لتُشكِّل تلك السجون وسيلةً من وسائل الردع التي تمنع الناس من ارتكاب الجرائم بتجريدهم من حرياتهم الشخصية وليس بإيذائهم بدنيًّا.

لم يتحول التصميم الذي وضعه "وايلي" بتكليف من "جيرمي" إلى حقيقة قط، لكن بحلول القرن التاسع عشر، بدأت المملكة المتحدة بناء سجون بغرض إسكان النزلاء، وخلال أعوام تالية، وضعت قوانين تنظم العقوبات، وأصبح أحد أهداف السجون إعادة تأهيل المجرمين، عبر سياسات نفسية تُساعد في إصلاح السجناء قبل إطلاق سراحهم، وتشمل فحوصًا عقلية وبرامج تعليمية، وغيرها من الطرق التي تهدف إلى دمج المجرمين في المجتمع بعد إخلاء سبيلهم.

ورغم وجود تضارب في الآراء حول مدى نجاح عملية إعادة تأهيل المجرمين داخل السجون، إلا أن دراسة نشرتها دورية "نيتشر هيومان بيهيفيور"، اليوم "الإثنين"، 13 مايو، شددت على أن "قضاء العقوبات في السجن لا يُخفف من معدلات جرائم العنف في المستقبل، وأن قضاء أشخاص غير مدانين بارتكاب جرائم عنف لعقوبة السجن زاد من احتمالات عودتهم إلى السجن بنسبة 20% في غضون 5 سنوات فقط من إطلاق سراحهم، وهي النسبة التي بلغت 15% بالنسبة للسجناء الذين قضوا عقوبة السجن لارتكابهم جرائم عنف".

وتقول الدراسة إن "الهدف من تقييد حرية الأشخاص بسجنهم بعد الإدانات بالجرائم الجنائية هو الاعتقاد بأن قضاء مدة في السجن تمنع جرائم العنف في المستقبل، عبر إزالة فرص السلوك الإجرامي أو توفير فرصة إعادة التأهيل أو حتى ردع الناس عن التفكير في ارتكاب الجرائم عبر تهديدهم بشكل مُبطن بعقوبة السجن، وهو ما يتناقض مع الواقع".

جدل متصاعد

وتشير الدراسة -التي اعتمدت على عينة بلغت 111.110 أشخاص من ولاية "ميشيجان" الأمريكية ممن تمت إدانتهم في جرائم جنائية في الفترة من 2003 وحتى 2006- إلى وجود جدل كبير حول فاعلية السجون تجاه تحقيق تلك الأهداف، خاصةً لدى المقارنة بالتكاليف الاجتماعية والمالية العالية للسجن.

قارن الباحثون بين معدلات الجرائم العنيفة التي يرتكبها المحكوم عليهم بالسجن مع المحكوم عليهم بقضاء فترات مراقبة خارج السجن من خلال تتبُّع ما قام به المشاركون من عينة البحث في عام 2015. ووجدوا أن قضاء عقوبة السجن لم يكن له تأثير يُذكر على المجرمين الذين تم الإفراج عنهم؛ إذ يستمر هؤلاء في ارتكاب الجرائم بنفس معدل ارتكاب الجرائم من قِبَل الأفراد المحكوم عليهم بقضاء فترة مراقبة عوضًا عن عقوبة السجن.

يقول "ديفيد هاردينج" -رئيس قسم العلوم الاجتماعية بجامعة كاليفورنيا بيركلي بالولايات المتحدة الأمريكية، والمؤلف الأول للدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن هذا يعني أن السجن لا يؤثر على احتمالية منع ارتكاب المجرمين جرائم في المستقبل بعد إطلاق سراحهم. وهي نتيجة صادمة".

ويُعَد فهم أصول العنف ومنعه أحد أهداف الدراسات الخاصة بالعلوم الاجتماعية والسلوكية والصحية، وتَعتبر الأكاديمية الأمريكية للعلوم، ومنظمة الصحة العالمية ومركز السيطرة على الأمراض والوقاية منها أن العنف مشكلة صحية؛ لما ينجم عنه من مشكلات تؤثر في الصحة الجسدية والنفسية للفرد والمجتمع.

خسائر اقتصادية ونفسية

وأثيرت مؤخرًا العديد من المناظرات حول الحد من عقوبة تقييد الحريات، والتي تُثير مخاوف بشأن سلبية آثار السجن على الصحة العقلية والبدنية، والقدرة على العمل، والرفاه الاجتماعي. بالإضافة إلى التكلفة المادية العامة الهائلة للحفاظ على مستويات الأمن في السجون. ويرغب هؤلاء الذين يدعون إلى الحد من سجن الأشخاص في استخدام عقوبات بديلة، كالخدمة العامة للمدانين بارتكاب جرائم غير عنيفة.

لكن المشكلة التي تعرضها تلك الدراسة ليست بشأن الأشخاص الذين يرتكبون جريمة غير عنيفة، بل تلقي الدراسة الضوء على المجرمين المدانين بارتكاب جرائم عنيفة، كالقتل أو السرقة بالإكراه أو بيع المخدرات، والتي تتمثل نسبتهم في السجون الأمريكية في ما يقرب من نحو 46% من إجمالي المحبوسين.

وتشير الدراسة إلى أن الآثار الناجمة عن العنف في الولايات المتحدة الأمريكية وحدها تُكلف الدولة نحو 5 مليارات دولار سنويًّا. وهناك أيضًا مجموعة من الآثار على الصحة العقلية؛ إذ يتأثر مرتكبو العنف بمجموعة من الاضطرابات النفسية الناجمة عن ذلك الفعل. وتقول الدراسة إن العنف يرتبط بنوع العرق والجنس، ويتأثر بمستويات الدخل، فعلى سبيل المثال، يُعد القتل هو السبب الرئيسي للوفاة بين الشباب من العرق الأسود في الولايات المتحدة.

ويؤدي العنف دورًا رئيسيًّا في القرارات السياسية المتعلقة بنظم العدالة الجنائية، ويُعد التدخل الأكثر انتشارًا والهادف إلى الحد من الممارسات العنيفة هو سجن مرتكبي تلك الجرائم، ومنذ سبعينيات القرن العشرين، ارتفع مُعدل دخول الأفراد للسجن بشكل كبير، إلا أن تلك العقوبة لم تُسهم في الحد من الجرائم العنيفة.

ثلاث آليات

يقول "هاردينج": تناقش الدراسة فرضية ما إذا كان السجن سيزيد العنف في المجتمع أو يقلله، وهناك ثلاث آليات لمناقشة تلك الفرضية، أولاها الفكرة القائلة بأن السجين لا يُمكنه ارتكاب أعمال عنف ضد الناس في المجتمع خلال قضائه عقوبة السجن، والثانية تشير إلى أن السجن كعقوبة تردع غير المسجونين وتجعلهم يُفكرون في نتائج ارتكابهم للعنف، أما الفكرة الثالثة فتدور حول مصطلح إعادة التأهيل من خلال حصول الأفراد على برامج علاجية تتناول الأسباب النفسية الكامنة وراء السلوك العنيف، وتحاول إصلاحها.

إلا أن نتيجة فحص الإحصائيات والبيانات تُشير إلى نتائج كارثية، فبدلًا من إعادة التأهيل، يُمكن أن يزيد السجن من ميل الأشخاص إلى ممارسة العنف؛ إذ يؤدي إلى تفاقم الأمراض العقلية أو يُسبب مشكلات جديدة يُمكن أن تزيد من مخاطر الانخراط في العنف، إذ تشير نتائج الدراسة إلى أن الأشخاص المدانين يشعرون بعدم الثقة بأنظمة العدالة، مما يجعل علاقتهم مع القانون أكثرَ عدوانية.

ويؤدي السجن أيضًا إلى تآكل الشبكات الاجتماعية، والابتعاد عن الأهل، ويزيد من إحساس العزلة، ما يجعل المسجون ينضم بعد إطلاق سراحه إلى شبكات اجتماعية مؤيدة للجريمة ومرتكبة للعنف.

لكن إذا كان السجن يولِّد المزيد من العنف المستقبلي، فكيف يُمكن للسلطات مُعاقبة المتهمين بالجرائم العنيفة؟ يقول "هاردينج" إنه لا يعلم الطريقة التي يُمكن من خلالها معاقبة المتهمين بالعنف، إلا أنه يعلم يقينًا مجموعةً من الإجراءات التي يُمكن أن تسهم في تخفيض نسبة العنف المرتكَب، مثل "منع العنف من الأساس" عن طريق استهداف الأطفال وصغار الشباب ببرامج تأهيلية تمنع ممارسة العنف المنزلي، ومساعدة المراهقين والشباب الذين يعيشون في الأحياء الفقيرة بوسائل سلمية تُعزِّز حل النزاعات بينهم باستخدام الحوار، كما يُمكن أيضًا وضع مجموعة من التدابير والسياسات التي تحد من الوصول إلى الأسلحة.

الإعدام ليس حلًّا

وردًّا على سؤال لـ"للعلم" حول ما إذا كان إعدام القتلة يُمكن أن يكون فلسفةً عقابيةً تُسهم في الحد من العنف في المستقبل عن طريق ردع هؤلاء الذين ينوون ارتكاب جرائم عنيفة، يقول "ديفيد": "إن عددًا كبيرًا من الدراسات العلمية يؤكد أن عقوبة الإعدام لم تمنع الآخرين من ارتكاب جرائم عنيفة، حتى إن العديد من دول العالم ألغت عقوبة الإعدام لأسباب أخلاقية".

ومنذ أوائل سبعينيات القرن الماضي وحتى بدايات العقد الأول من القرن الواحد والعشرين، زاد معدل المسجونين في الولايات المتحدة الأمريكية بنسبة 400%، على حد قول "ديفيد"، الذي يُشير إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية لديها أعلى معدل للسجن في العالم. ويرى "ديفيد" أن إحدى الطرق الواضحة لخفض التكاليف الاجتماعية والمالية المهولة للسجن هي "تقليل استخدام السجون كشكل من أشكال العقوبة".

بطبيعة الحال لا تقترح الورقة البحثية هروب القتلة والمغتصبين من العدالة المتمثلة في معاقبتهم بالسجن على الجرائم التي اقترفوها. بل -وفق ما يقول "ديفيد"- يُمكن الحكم على الأشخاص الذين يرتكبون جرائم أقل خطورة، أو حتى جرائم العنف البسيطة، بالمراقبة عوضًا عن سجنهم، وهو الأمر الذي يُقلل من تكلفة السجن وآثاره السلبية، ليس على المسجونين فحسب، بل على عائلاتهم أيضًا.

من جهتها، تقول "أليسيا سانتيلي" -مدير مختبر العلوم الاجتماعية والصحة بجامعة "يال" الأمريكية، وغير المشاركة في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن الآثار الاجتماعية السلبية للمؤسسات العقابية هائلة، ما يجعل المُطلَق سراحهم يعودون إلى ارتكاب الجرائم العنيفة بعد خروجهم من السجون".

وتتفق "سانتيلي" مع ما جاء في الدراسة إجمالًا، مشيرةً إلى ضرورة النظر في القوانين الخاصة بتقييد الحريات، مضيفةً أنه "ليس من الطبيعي أن يُسجن شخص لمجرد ارتكابه لجريمة سرقة قالب من الشوكولاتة لأول مرة، لكن يمكن سجن الشخص ذاته حال تكرار فعلته".

وتكشف الدراسة جانبًا آخر في إجراءات إرسال الأشخاص للسجون، وفق قول الباحث الرئيسي "هاردينج"، وهو الاختيار العشوائي للقضاة والمحلفين في الولايات المتحدة الأمريكية، موضحًا أن "تلك العشوائية تجعل للقضاة ميولًا مختلفة لإصدار الأحكام".

وعلى الرغم من أن الدراسة استغرق العمل عليها ثلاث سنوات كاملة، إلا أن "هاردينج" يعترف بأنه من الصعب التأكيد على تعميم نتائجها، خاصةً أن عينة البحث كانت قاصرةً على سجناء من ولاية "ميشيجان"، مضيفًا أن "هناك المزيد من العمل الذي ينتظر إنجازه، ونحن بصدد دراسة الكيفية التي يؤثر بها السجن على الصحة العامة، فضلًا عن بحث آثار أنواع العقوبات الجنائية الأخرى كالمراقبة".

يعلم "هاردينج" تمام العلم أن العالم أصبح أكثر عنفًا، لكنه لا يزال يبحث عن إجابة شافية للسؤال الذي طالما أرقه طيلة عمره، عن الكيفية التي يُمكن أن تجعل العالم مكانًا أكثر أمنًا، والطريقة التي يُمكن أن نُحافظ بها على السلام المجتمعي، دون اللجوء إلى تقييد حرية الأشخاص، وبخاصة هؤلاء الذين ارتكبوا جرائم يصفها بالصغيرة فالسجن –من وجهة نظره- ربما يكون وسيلةً لتقييد حرية المُدان، لكنها بكل تأكيد "ليست تهذيبًا ولا إصلاحًا".

القراءة من المصدر

الاشتراك في الخدمة البريدية اليومية

اخر الاخبار في بريدك الالكتروني كل يوم

إقرأ أيضا