الرئيسية جزائر مجتمع مغاربي شرق أوسط افريقي دولي الاقتصاد تكنولوجيا معلوماتية علوم صحة ثقافة رياضة فرنسية
مناخ مضطرب يفسد حلم المواطن العربي بعمل لائقAlgerian Reporters:مناخ مضطرب يفسد حلم المواطن العربي بعمل لائق

مناخ مضطرب يفسد حلم المواطن العربي بعمل لائق

مناخ

عبد الحافظ الصاوي

يحتفل العالم بيوم العمل اللائق هذا العام في 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2019، اعترافا بمساهمة العمال في رفاهية المجتمعات، وتأكيدا على حقهم في الارتقاء بمهاراتهم والحفاظ على المزيد من مكتسباتهم التي حصلوا عليها بنضالهم خلال العقود الماضية.

فالمادتان 23 و24 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان نصتا على حق الإنسان في العمل، وكذلك حمايته من البطالة، وحصوله على أجر مكافئ لما يبذله من عمل، وأن يكفل له الأجر المتحصل عليه نظير العمل معيشة لائقة بكرامة الإنسان، وأن تتوفر له الحماية الاجتماعية.

ومن حق العامل العربي كإنسان أن تكون تطلعاته هي زيادة مهاراته لتتناسب مع متطلبات سوق العمل الحالية، والتي تفرض نوعية من التعليم تواكب التكنولوجيا التي تسابق الزمن يوميا.

ومن المفترض أن مكتسبات العامل من الأجر العادل وبيئة العمل المناسبة والحماية الاجتماعية، هي من المسلمات ولم تعد بحاجة إلى خوض معارك مع أرباب العمل أو الحكومات والبرلمانات.

ولكن أنى للعاملين العرب أن يحلموا بالعمل اللائق، والعالم العربي يتصدر القائمة الدولية بأعلى نسبة بطالة بين مناطق العالم، بنحو 15.4% عام 2017، أي وجود 19.8 مليون عاطل.

كما أن المنطقة العربية تتصدر أقاليم العالم من حيث ارتفاع نسبة البطالة بين الشباب بنسبة 46.2% للفئة العمرية (15 -24 عاما)، وكذلك من حيث انخفاض مساهمة الإناث في سوق العمل بنسبة تصل إلى 19%، بينما المتوسط العالمي 48%، وذلك حسب البيانات التي دونها التقرير الاقتصادي العربي الموحد لعام 2018.

لقد تطورت الحركات العمالية في كثير من البلدان، وحققت نجاحات على صعيد علاقاتها مع أرباب العمل، أو مع المجتمع كله، حيث سعت بعض الحركات العمالية لتشكيل أحزاب سياسية تعبر عن مطالبها، ومكنتهم هذه الأحزاب من الوصول إلى السلطة.

إلا أن التجربة العربية لم تكن بهذا النجاح، حيث أمكن تدجين الحركة العمالية عبر سيطرة النظم السياسية الدكتاتورية على النقابات العمالية، وقصر دورها على القضايا العمالية، وسيرتها في حركة سياسية محسوبة كديكور في إطار نظم سياسية غير ديمقراطية، وقد حكمت العلاقة بين النقابات العمالية العربية ونظم الحكم على مدار العقود الماضية -وإلى الآن- قاعدة معلومة، وهي "الولاء مقابل العطاء".

القطاع الخاص وفرص العمل
في مطلع التسعينيات من القرن العشرين، اتجهت معظم الدول العربية إلى ما يعرف باقتصاديات السوق، حيث تم انسحاب الدولة من سوق العمل بنسبة كبيرة، وبخاصة في الأنشطة الإنتاجية، وأُعطيت الفرصة بشكل كبير للقطاع الخاص الذي لم يكن مؤهلا لتوفير فرص العمل بالشكل الذي يتناسب مع دخول العاملين الجدد لسوق العمل، ولم يسمح القطاع الخاص العربي في الغالب بوجود كيانات تمثل العمال، بل كان شرط البقاء في العمل التنازل عن حق تشكيل نقابات عمالية.

نسبة العاملين العرب في سوق العمل غير المنظم تتراوح ما بين 44% و82% مما يحرمهم من الحماية الاجتماعية (رويترز)

واقع مرير
لم تعد هناك دولة عربية واحدة لم تخضع لتعليمات البنك والصندوق الدوليين، حيث تتضمن أجندة تعليمات البنك والصندوق الدوليين ضرورة تقليص أعداد العاملين في الحكومة والقطاع العام، وكذلك إفساح المجال للقطاع الخاص في التنمية، وتوفير فرص العمل، دون الأخذ في الاعتبار وجود فترة انتقالية لتأهيل القطاع الخاص للقيام بهذا الدور، أو تفهم الإمكانيات المحدودة للقطاع الخاص من حيث الموارد المالية اللازمة لطبيعة الدور المطلوب منه.

فتعرض العاملين في المنطقة العربية لغياب الكثير من الحقوق مثل: الأجر العادل، أو الحماية الاجتماعية (التأمين الصحي والاجتماعي) أو عدد ساعات العمل المناسبة، أو توفير عوامل الأمن الصناعي في المؤسسات الإنتاجية.

وبحسب بيانات تقرير المدير العام لمكتب العمل العربي عام 2018، فإن نسبة العاملين العرب في سوق العمل غير المنظم تتراوح ما بين 44% و82%، حيث تغيب الحماية الاجتماعية، وتحدث تجاوزات لا حصر لها في مجال حقوق العمال.

ويضيف التقرير أن الحماية الاجتماعية للعاملين بالدول العربية يحظى بها ما نسبته 30% فقط من العاملين، وهي في الغالب من نصيب العاملين في القطاع العام والحكومي.

بينما تصل هذه النسبة كمتوسط عالمي إلى 52%، وفي أوروبا وأميركا تصل إلى 90%، ومن النادر في الدول العربية وجود تأمين ضد البطالة.

أما عن ثقافة التدريب، فهي غائبة لدى الفاعلين في علاقة العمل (الحكومة، العمال، أرباب العمل). ففي ظل رداءة التعليم، وانخفاض ميزانيات الإنفاق على التدريب، يتخرج العامل العربي دون تدريب، ويحصل على شهادات علمية، لا يقبلها أصحاب العمل، بل يخضع خريجو مؤسسات التعليم لفترات تدريب قبل التحاقهم كعمال أساسيين.

وفي ظل اقتصاديات السوق، يجد الداخلون الجدد لسوق العمل في المنطقة العربية أنفسهم أمام التزام مادي جديد، وهم لم يحققوا دخلا بعد، يتمثل في تكلفة حصولهم على دورات تدريبية تؤهلهم لسوق العمل، وصاحب العمل لا يقبلهم قبل أن يحصلوا على هذه الدورات.

ومن هنا فإن المعادلة فيها خلل كبير، في ظل تهرب الحكومات وأرباب العمل، وتحمل العامل تلك التكلفة وحده.

تحديات العمالة العربية
ثمة مجموعة من التحديات توجه العمالة العربية منذ فترة تتعلق بالهيكل التنموي الهش الذي يخيم على كل الاقتصاديات العربية، وكذلك بسبب السياسات الخاطئة المرتبطة بالتخطيط لسوق العمل، وعلاقة مخرجات مؤسسات التعليم باحتياجات سوق العمل.

ويذكر التقرير الاقتصادي العربي الموحد لعام 2018، أن قوة العمل العربية تصل إلى 136.4 مليون نسمة، وأن فرص العمل التي توفرها الاقتصاديات العربية للمشتغلين من قوة العمل، موزعة على قطاع الخدمات بنسبة 64%، وقطاع الزراعة بنسبة 18.3%، وقطاع الصناعة بنسبة 17.7%، ولذلك تنخفض القيمة المضافة للعمالة العربية، بسبب سيطرة القطاع الخدمي على سوق العمل.

ومن السلبيات التي ترصدها الدراسات، انخفاض نسبة العمالة الماهرة بين قوة العمل العربية. فتقرير المدير العام لمكتب العمل العربي لعام 2018، يوضح أن نسبة العمالة الماهرة في الكثير من أسواق العمل العربية تتراوح ما بين 15% و30%، كما أن ضعف الاقتصاديات العربية أدى إلى أن نسبة لا يستهان بها من الوظائف التي يتم توفيرها كل عام، تكون وظائف هشة، وقدرت هذه النسبة بنحو 17.8%.

وثمة تحد جديد يتعلق بواقع اقتصاديات الدول النفطية الخليجية، بسبب ما تمر به من أوضاع اقتصادية وسياسية سلبية جراء أزمة انهيار أسعار النفط منذ منتصف عام 2014، أو أزمة حصار دول خليجية ومصر لدولة قطر، وكذلك الحرب المفتوحة في اليمن التي دخلها تحالف سعودي إماراتي في مارس/آذار 2015، ولا تعرف لها نهاية.

فقد أثرت تلك الأزمات مجتمعة على الواقع الاقتصادي لدول الخليج التي تعتبر دول استقبال للعمالة الأجنبية، وعلى رأسها العمالة من الدول العربية.

فمؤخرا أفادت بيانات سعودية بمغادرة نحو 1.9 مليون عامل أجنبي الأراضي السعودية، مما سيساعد في زيادة أعداد العاطلين في الدول العربية المصدرة للعمالة.

ومن جانب آخر، فإن دول الخليج لديها إستراتيجية توطين الوظائف لمواجهة البطالة المتزايدة بين أبنائها، وبالفعل اتخذت الدول الخليجية خطوات في هذا السياق بإلزام القطاع الخاص باقتصار وظائف معينة على أبناء الوطن، كما حدث في السعودية، لوظائف مثل محلات الهواتف وبعض خدمات البيع بالتجزئة.

كما أن الحرب المفتوحة للتحالف السعودي الإماراتي وما ترتب عليها من استهداف منشآت إستراتيجية بالنسبة لاقتصاديات الإمارات والسعودية، فمن المتوقع في ظل سيناريو استمرار هذه الحرب، أن تستنزف الموارد المالية للبلدين بشكل كبير.

ومن شأن هذا السيناريو أن يؤثر على أوضاع العمالة العربية بشكل كبير، حيث سيتم إيقاف العديد من المشروعات الحكومية في كل من الإمارات والسعودية، وكذلك مشروعات القطاع الخاص بهما، كما ستتأثر حركة الاستثمار بشكل كبير في الأجلين القصير والمتوسط، وهو ما يعني تسريح أعداد أكبر من العمالة الوافدة، ومن بينها العمالة العربية.

مصر أدرجت في قائمة العمل القصيرة بمنظمة العمل الدولية (رويترز)
النزاعات وغياب الاستقرار السياسي
أدت ممارسات الثورة المضادة إلى نتائج شديدة السلبية على الاقتصاديات العربية، وبالتالي على واقع العمالة العربية.
 
وبحسب تقديرات منظمة "الأسكوا" لتكلفة النزاعات في المنطقة العربية خلال الفترة (2011-2015)، فقد وصلت هذه التكلفة إلى 614 مليار دولار، بما يعادل 6% من الناتج المحلي لدول المنطقة.
 
كما أن هذه النزاعات أدت إلى تدمير القاعدة الإنتاجية، حيث بلغت قيمة البنية الأساسية المدمرة نحو 416 مليار دولار.
 
ونتج عن هذه النزاعات أن خسرت الدول المشاركة فيها جزءا كبيرا من ثروتها البشرية، بوجود نحو 1.4 مليون فرد بين قتيل وجريح.
 
وتشير الأرقام إلى أن نسبة البطالة في كل من سوريا واليمن بلغت أكثر من 50% من قوة العمل بسبب الحروب الدائرة على أراضي الدولتين.

ولم تقتصر الآثار السلبية للنزاعات في المنطقة على ما سبق، بل تركزت كوارثها على الثروة البشرية، حيث تذهب التقديرات إلى أن هناك ما يسمى بـ"الجيل المفقود"، أي يوجد 13.8 مليون طفل عربي لم ينتظموا في فصول الدراسة وهم في سن الالتحاق بالمرحلة الالزامية للتعليم، كما يوجد -بسبب هذه النزاعات- نحو 14 مليون مشرد، كما أن 75% من المهاجرين على مستوى العالم، هم من العرب.

وبالتالي فقوة العمل العربية أصيبت في مقتل، بسبب النزاعات التي دمرت قاعدتها الإنتاجية وبنيتها الأساسية، والأهم من ذلك تدميرها للثروة البشرية.

وإذا كان للنزاعات المسلحة تلك الآثار السلبية، فإن لعدم الاستقرار السياسي دلالاته السلبية كذلك على واقع العمالة العربية.

ففي مصر والعراق اندلعت مؤخرا مظاهرات شعبية تطالب بمحاربة الفساد، وإعادة النظر في السياسات الاقتصادية التي رفعت من أعباء المعيشة، بشكل لا يتناسب مع دخول العمل.

وخلال عام 2019، أدرجت مصر ضمن قائمة الملاحظات القصيرة في منظمة العمل الدولية، وهي القائمة التي أطلق عليها المصريون القائمة السوداء، بسبب انتهاكات الحكومة المصرية -في ظل الانقلاب العسكري- ضد النقابات العمالية.

وليست مصر وحدها من بين الدول العربية المدرجة على هذه القائمة، بل هناك ليبيا والجزائر والسودان وموريتانيا.

لعدم الاستقرار السياسي دلالاته السلبية على واقع العمالة العربية (الجزيرة)

أمل الحرية
لعل في احتفال العالم بيوم العمل اللائق، تتذكر الحكومات العربية واجبها في توفير الحريات العامة لشعوبها، ولحرية العمال بشكل خاص، سواء فيما يتعلق باختيار فرص العمل، أو في حرية تشكيل النقابات العمالية، لكي تحافظ الحركات العمالية العربية على حقوقها، والتي من بينها العمل اللائق بمفهومه الشامل، من أجر عادل وحماية اجتماعية، وساعات عمل مناسبة للأجر، وأوقات للراحة سواء خلال يوم العمل أو في نهاية الأسبوع، أو خلال العام.

ولعل الحراك الأخير الذي شهدته الدول العربية في السودان والجزائر ومصر والجزائر، والذي بشر بموجة ثانية من الربيع العربي، يؤدي إلى حصول العمال العرب على حقوقهم المتعلقة بهم كفئة حية داخل المجتمع، أو ببروز دورهم في مشاركة سياسية ومجتمعية أكثر إيجابية من الدور الذي رسم للحركات العمالية على مدار أكثر من سبعة عقود ماضية.

القراءة من المصدر

الاشتراك في الخدمة البريدية اليومية

اخر الاخبار في بريدك الالكتروني كل يوم

إقرأ أيضا