الرئيسية جزائر مجتمع مغاربي شرق أوسط افريقي دولي الاقتصاد تكنولوجيا معلوماتية علوم صحة ثقافة رياضة فرنسية
"قطارات تصعد نحو السماء" حين تصنع القصص فضاءها الروائي Algerian Reporters: "قطارات تصعد نحو السماء" حين تصنع القصص فضاءها الروائي

"قطارات تصعد نحو السماء" حين تصنع القصص فضاءها الروائي

"قطارات

تسلط المجموعة القصصية "قطارات تصعد نحو السماء" للكاتب والروائي العراقي فاتح عبدالسلام التي صدرت مؤخرا الضوء على محنة الإنسان العربي في المهجر وتحاول إثارة فضول أصحاب القريحة النقدية لفتح باب القراءات المتعددة والاستمتاع بالتأويلات التي قد تظهر لقارئها.

د. محمد غاني*

من الروايات القليلة، وأختار هنا عن قصد أن أسميها رواية وليست قصصاً، والتي تركت صداها مدوياً في خاطري لعذوبة تعابيرها العميقة ولسلاسة تداعي أفكارها المرتبة نحو وجهة تحقيق الرؤية الفلسفية العميقة لمجموعة من القضايا الإنسانية الآنية، نجد رواية "قطارات تصعد نحو السماء" للكاتب العراقي فاتح عبدالسلام والتي صدرت عن الدار العربية للعلوم ناشرون بلبنان في طبعتها الأولى يوليو 2019.

اطلعت عليها بشغف كبير لأنني أعرف الرجل كاتب الرواية، فهو في نفس الآن، دكتور في الأدب العربي الحديث وروائي قاص وأستاذ جامعي عراقي مقيم بلندن، نال شهرته الأدبية حين حاز على جائزة الدولة للرواية في العراق سنة 1993 عن روايته "عندما يسخن ظهر الحوت".

الحنين إلى الوطن
الحنين إلى الوطن

كتب الدكتور فاتح "الرواية" من وجهة نظري في هذا الزمن الذي يعاني منه المواطن العربي بصفة عامة والعراقي بصفة خاصة (العراق هو الموطن الأصل لكاتب الرواية) من ويلات التقسيم والنزوح والهجرة القسرية، لذلك عبرت مختلف القصص القصيرة المكونة لفصول الرواية عن القضايا نفسها لكن في إبداع كبير في الرؤية الفلسفية العميقة.

قضية اللجوء قضية إنسانية آنية تشغل مختلف الكتاب، وقد شغلت الدكتور فاتح أيضا لأنها قضية وطن بالنسبة له، وحسب ما قرأته من روايته، ويبقى لقارئ آخر، اعطاء تأويلات أخرى لنفس النص، وهذا حال النصوص المتينة تبقى قابلة لتأويلات عدة ولتفسيرات متنوعة، فإنه قد عبر عنها في إبداع خلاق وبأسلوب غير ممتنع على الفهم، لكنه يبقى راقيا في تعبيراته وتصويره. قبعة بدون رأس هو التصوير الذي أبدعه لتمثيل حال مواطن بهوية أصلية تركها في بلاده ليحمل قبعة هوية جديدة ألبسها له البلد المستقبِل.

الخوف من الترحيل

من القضايا الجميلة والأليمة في الآن نفسه والتي طرحتها الرواية الأنيقة للدكتور فاتح عبدالسلام، قضية الخوف من الترحيل التي يعانيها كل لاجئ، حيث يخضع المشكوك فيه كل لحظة في بلدان الاستقبال لتفتيش أوراق ثبوت هويته، ومن مثله هم في غالب الأحيان دون هوية مما يجعلهم يعانون ألما نفسيا لا متناهيا، لكن يصادفون في مسيرتهم الثبوتية من بلد الانطلاق وإلى بلد الاستقبال أشخاصا لطفاء يساعدونهم على الإفلات من الرقابة لحين وقت الفرج، فباب الأمل دوما مفتوح في قلم كاتب يُستمد الفتح من اسمه "فاتح".

ويصور الكاتب فاتح عبدالسلام في روايته، حنين العائد إلى وطنه في تعابير جميلة تجعل القارئ مشدوها متتبعا لأحداث القصة غير رافع عينيه عن الورقة من انجذابه لأحداثها وشعوره بمشاعر حقيقية كأنه يعيش فصولها، لا لشيء غير تصويره الدقيق لمشاهد القصة وكأن القارئ بطل من أبطالها يعود إلى بلدته، ويشم رائحة فرن حيّه، ويذوق شاي أيام طفولته، ويتألم حين يمر أمام بيت فُقِد أصحابه بسبب الحروب والإرهاب، ألم لا متناه يشعر به حين يمر أمام حديقة يابس نباتها بعد أن كانت يوما مخضرة.

وتعاني المرأة والرجل في المجتمعات المتخلفة من ويلات الرشوة حيث لا تقضى أمورهم دون دفع رشى، كما أن الأرملة في بلدان الحروب دوما تحصل على ما تريد في ظن منها أن زوجها السابق كان هناك من يكن له الاحترام، فتقدم لها من أجله المساعدات، في حين أن الطمع وحده من حرك القلوب لأجلها في وطن أكلمته الحروب ردحا من الزمن كالعراق حيث انتهت أعمار مواطنيه ولم تنته الحرب.

أيهما يسبق الآخر

قصص بمشاعر حقيقية
قصص بمشاعر حقيقية

لا شك أن محطات الرواية عبارة عن فضاءات قصصية متعددة  لقطار روائي واحد يركبه أبطال تائهون وسط ويلات الحروب والأحداث الإرهابية وبحث عن الهوية وسط عوالم التيه والألم وظلم المضطهد. إنهم ركاب من طراز فريد، في قطار حصري يسافر إلى سماء الأمل فطريقه عمودي يصعد إلى الأعلى وسِكّته هوائية عوض أن تكون حديدية، يهرب مسافروه من تعسف أهل الأرض على كل صاحب وطن هجره قسرا إلى سماء وطن مستقبل أرحب.

من هذا الحبك الروائي النادر داخل مجموعة قصصية رائعة تحاول إثارة فضول أصحاب القريحة النقدية لفتح باب القراءات المتعددة والاستمتاع بالتأويلات المتعددة التي قد تظهر لقارئها، نضرب مثالا على ذلك ثنائية القطار والمحطة التي تتكرر في مجموع محطات الرواية القصصية والتي تفتح التساؤل كبيرا في ذهني، يا تُرى ما يسبق الآخر، القطار أم المحطة؟

كل راكب يظن محطته القصصية بداية الرحلة لكنه حين يركب قطار الرواية يجد ركّابا سبقوه في سفر القدر لذلك كانت هي في الحقيقة قطارات لأزمنة متعددة كسيناريوهات الحياة البشرية يظن كل فرد في مسرح الدنيا الكبير أنه بطل قصته الرئيس، لكنه حين يركب قطار الحياة يجد نفسه مجرد رقم بسيط في معادلتها، لكن أرقام المعادلة ليست مجردة من المشاعر حيث يمكن أن يلحظ القارئ لرواية فاتح عبدالسلام لدى أحد أبطال الرواية خوفا عميقا يخالجه وَجَل من الوصول إلى المحطة، كما في قصة "لو لم تكن المحطة الأخيرة قريبة"، أو في قصة "المرأة القطّة والرجل القنفذ"، حيث الوصول إلى المحطة في القصة الأولى يعني إيذاناً بنهاية رحلة حب، وفي الثانية الوصول محفوف بمخاطر المجهول في زمن حرب، لاسيما لجندي هارب من الجبهة.

*كاتب من المغرب

القراءة من المصدر

الاشتراك في الخدمة البريدية اليومية

اخر الاخبار في بريدك الالكتروني كل يوم

إقرأ أيضا