الرئيسية جزائر مجتمع مغاربي شرق أوسط افريقي دولي الاقتصاد تكنولوجيا معلوماتية علوم صحة ثقافة رياضة فرنسية
مع هيمنة التكنولوجيا بات المؤلف يموت مرتين Algerian Reporters: مع هيمنة التكنولوجيا بات المؤلف يموت مرتين

مع هيمنة التكنولوجيا بات المؤلف يموت مرتين

مع

شغلت العلاقة الإشكالية (القراءة – القارئ)، الناقد والمفكّر والكاتب على السواء. فقد صار التفكير في شأن القراءة وأهمية القارئ أمرا حيويّا، وموضوعًا مطروحًا على المشاع في ظلّ اتساع سُلْطة القارئ، التي أخذت مساحة غير قليلة وسلطة أكبر بفضل عوامل كثيرة أهمها ثورة التكنولوجيا.

  أدخلت الثورة التكنولوجية الحديثة القارئ طرفًا مهما في لُعبة الكتابة حتى قيل “كان ينبغي إعلان موت المؤلف كي يولد القارئ، إذا كان من المستحيل أن نرى في القراءة فعلًا بحق من غير أن تتهاوى السُّلطة التي كانت تدَّعي الهيمنة عليها”.

يُخطئ من يتصوّر أن كتاب “القراءة رافعةً رأسها” للدكتور عبدالسلام بنعبد العالي كتابٌ عن القراءة، وإن كان لا يغفل أهميتها سواء بتصديرها كعنوان للكتاب، أو بجعلها أحد موضوعاته الأساسية. خاصة أن القراءة هي الفضاء الوحيد الذي تتحقق فيه الدلالات المتعددة.

القارئ المتعدد

يتكوّن كتاب “القراءة رافعةً رأسها”، الصادر مؤخرًا عن دار نشر توبقال 2019 في المغرب، من فصول قصيرة، تأخذ عناوين مستقلة، وهي تبدو وكأنها مقالات كُتبتْ مُتفرقة وجمعها إطار التأمّل وإعادة القراءة؛ التي هي بمثابة بناء أو إنتاج وتحول. فيحضر “مجتمع الفرجة” وهو يقصد مجتمع الإعلام بما يحتويه من إعلان وموضة واستطلاع رأى التي هي أشبه بالمرآة التي تعكس الأذواق والمطامح والرغبات والميول، خاصة في ظل قدرة الإعلان على مخاطبة المواطن لا على أساس أنها مستهلك وإنما على أنه فرد له القدرة على الاختيار وأنه يعرف ما يريد وقادر على تدبير أمواله والعناية بصحته ورعاية شؤونه.

فالفرجة ليست مجموعة من الصُّور وإنما “علاقة اجتماعية تتوسط الصور”. ويدرس أيضًا تأثير هذا المجتمع على الفلسفة، خاصة في ظل ذيوع الأفكار الجاهزة، وما تقوم به الصورة من غرس البلاهات. في مقابل ما تقوم به الفلسفة من مواجهة لكل نزعة كليانية، بل تسعى إلى تجاوز الإعلام كتقنية، أو كما يدعونا نيتشه إلى “إزعاج البلاهات ومقاومتها”.

 مجتمع الفرجة له تأثير على الفلسفة خاصة في ظل ذيوع الأفكار الجاهزة، وما تقوم به الصورة من غرس البلاهات

ويتطرق إلى فن الكرة التي تحوّلت إلى لعبة في غاية الجدّ؛ حتى أصبحت “قضية الكرة قضية دولة” كما ذكر غاليانو. فصار الذي يتحكم فيها عبارة عن مؤسسات لها إدارتها الاقتصادية والسياسية، وبما تخلق من عوالم جديدة، حيث تتحول البلدان من بلدان صغيرة إلى علامات ترفرف أعلامها بين الأعلام الدولية. ويشير إلى دورها في تحديد الهويات ورسم الأوطان، بل تجاوزتهما إلى تحديد الجغرافية السياسية والعلائق الدولية والولاءات للأوطان؛ حتى صار يصدق القول بأن”فرقنا الكروية غدت اليوم هي أوطاننا”.

ويدرس علاقة الفلسفة بالأدب، التي ترجع إلى الرومانسيين؛ فالفلسفة كما يقول نيتشه “ممارسة أسلوبية” أو على حدّ تعبير جاك دريدا “هي نوع خاص من الكتابة، يسعى إلى محو أو إخفاء خاصيتها الكتابية”. ويبحث أيضا عن سيميولوجيا للحياة اليومية، وما ليس يوميًّا في الحياة اليومية، والحداثة المتلكئة، واللباس والهُوية، وفي الحق في الاختلاف، واليومي والتاريخي وغيرها من موضوعات تتصل بالفلسفة في كثير منها.

حيث كيف يتحول اليومي كمباراة الملاكمة إلى دلالة فلسفية، أو سردية من السرديات. ويشير إلى مسألة في غاية الخطورة مُتعلِّقة باللباس، فيرى أنه لا علاقة للباس بالهوية، فاللباس لا يدل على هوية بقدر ما يدل على تشيّع واختلاف. فهو علامة تمييز وتميّز. كما أن الملابس كما يقول إيكو تبعدك عن ذاتك، فمن الملابس “ما يفرض عليك أن تعيش من أجل الخارج”.

وفي حديثه عن القراءة والقارئ، يأخذنا المؤلف في رحلة عن التطوّر الذي صاحب مفهوم القراءة، وإعلاء سُلْطة القارئ ذاته، بل يذهب إلى آراء

مفكرين كبار كرولان بارت، وألتوسير وبول فاليري وغيرهم ليستدل بآرائهم على أهمية القراءة، وسلطة القارئ الجديدة، التي جعلت فاليري الذي لا يعتدّ إلا بسلطة النص دون سواها.

فمع أن النص هو “وليد كتابات متعدّدة تنحدر من عدة ثقافات” -كما يقول بارت-، إلا أن هناك موقعًا يتجمع عنده هذا التعدد. هذا الموقع ليس المؤلف كما قيل و”إنما القارئ”.

الموت المزدوج

تحول القارئ إلى كاتب يجعل من القراءة، ليس مقصودًا منها استعادة للمعنى الذي أودعه المؤلف النصَّ، وإنما ستغدو بناء، وليست إعادة بناء المعنى. فتصبح عملية إنتاج وتحويل، والقارئ مثلما هو الذي يبني النص، هو أيضًا مفعوله. ويتوقف المؤلف عند طرائق الكتابة لدى البعض، وهو يتأمّل معاني الثقافة المتعبة والثقافة المريحة عبر ثنائية الكراسي والأرائك.

القراءة هي الفضاء الوحيد الذي تتحقق فيه الدلالات المتعددة
القراءة هي الفضاء الوحيد الذي تتحقق فيه الدلالات المتعددة

ويشير إلى الدور الذي تلعبه الوسائط الجديدة في عملية الكتابة، خلافًا لما كانت تقوم به الوسائط التقليدية ذات الاتجاه الوحيد كالمذياع والتلفاز والصحف، حيث كانت تُسهم في صناعة الرأي العام، في حين الوسائط الجديدة تتيح للأفراد إنتاج الأفكار لا تلقيها أو ترديدها. أما عن تأثيرها على الكتابة والنشر، فقد أحدثت تغيرات عميقة على الكتابة، وأعطت للمكتوب خصائص لم يكن له عهدٌ بها من قبل. والأهم أنها تغيّر طرق الكتابة وأساليبها، وفي المقابل تطبع تصرف الكاتب وتحدد سلوكه. لدرجة أن الكاتب صار يخلط (شعوريا أو لاشعوريا) بين أقواله هو وأقوال غيره فيهمل الضوابط التي تتقيد بها الكتابة الخطية.

أما عن سمات الوسائط الجديدة، فلقد تمكّن الرقمي من تحويل المعطيات إلى لغة. كما أن الطابع التبادلي للشبكات الرقمية يُعطي لمستخدمي التكنولوجيات الحديثة مكانة لم يكونوا ليرقوا إليها في ما قبل. لقد جعلت الثورة التكنولوجية من الذاكرة وظيفة مادية آلية وصنعيّة.

ويعيب على عالم اليوم غياب الاختلاف وسيادة التبسيط والأحادية والتنميط الثقافي. وهو ما يستلزم بناء نموذج ثقافي جديد ونسج شبكات مقاومة تعلن حربًا شعواء على التنميط والأحادية. وهو ما يُعزّز وجود دور جديد للمثقف يتجاوز التبشير بالعدالة والخير الأسمى، الذي كان سائدًا من قبل أو حتى الاصطفاف إلى جانب الأخيار ضدّ الأشرار، إلى المقاومة الجذرية، وهو ما يستدعي دخول الفلسفة كشريك في خلق طُرق جديدة في التكفير، فتبعث الاختلافات وتنعش الفروق. كأن تكون الفلسفة مُقاومة للنماذج الثقافية التقليدية.

أخطر هذه السِّمات هو ما أطلق عليه الموت المزدوج للمؤلف، حيث أتاحت هذه الوسائط غياب المصدر الأصلي للنص، بسبب سرعة قفز النص بين المواقع والسباحة في الشبكة. فصارت منابر القراءة عائمة في “اللامكان”. وقد أثّرت هذه التحولات على مصطلحات جهازنا النقدي. فغابت مفاهيم كالسرقة، والنّص الأعظم، بل صار من غير المجدي أن نتحدث عن أدب واقعي بعدما عانق الافتراضي الواقعي. كما غيّبَتْ هذه الوسائط العمل الإبداعي خلف صُورة مؤلفه، فغدا العمل مجرد امتدادٍ لتصرفات الكاتب وتصريحاته ومواقفه على حدّ قول كونديرا.

التأثير السّلبي لهذه الوسائط لا يتوقف عند الكتابة، بل أيضًا على الذات نفسها، فظاهرة السّيلفي هي الأخر، كشفت عن شعور الذات بالنقص والسعي بتعويضه بالآخر. فاختيار الأنا للآخر الذي نأخذ معه الصورة يُضفي عليها حِلّة جديدة، وترفع من قيمتها وليس العكس. الشيء الخطير أن صورة السّيلفي ليست مجرد صورة للتخليد والذكريات وإنما هي صورة لحصد اللايكات، وكأنها تهدف إلى مغازلة الآخر، وكأنها تأكيد لمقولة بورخيس “لكي نوجد ينبغي أن نرى“.

تتسرب إلى الكِتاب الكثير من الأفكار الفلسفية، وهو ما يذكرنا بأسطوريات رولان بارت، فيناقش مستقبل الفلسفة في ظلّ مجتمع الفرجة، على نحو ما نراه في وصف خطاب الأزمة والهوية وغيرها، فالأزمات مقامات وليست مجرد أحوال. وفي حديثه عن السّر حيث يرى لا يكون السّر سرًّا إلا إذا عرف كشيء لا يُعرف، وكذلك في رؤيته للحداثة المتلكئة التي تعني أنها شهدت مقاومات عند نشأتها فكانت متلكئة مواكبة لمضاداتها.

والمفارقة الكامنة بين الحدود والجدران، حيث إقامة الجدران تعكس ضعفا في قوة الدولة وإخفاق في حماية حدودها. والفرق بين الجدران الأسمنتية و(غير المرئية) التي تقطن في أدمغتنا وتفصل بين البشر لانتماءات ألوان بشرتهم، وأنواع قيمهم وأشكال ثقافتهم. فالجدران تسدّ الأبواب والنوافذ بينما الحدود تعترف بالآخر.

القراءة من المصدر

الاشتراك في الخدمة البريدية اليومية

اخر الاخبار في بريدك الالكتروني كل يوم

إقرأ أيضا