الرئيسية جزائر مجتمع مغاربي شرق أوسط افريقي دولي الاقتصاد تكنولوجيا معلوماتية علوم صحة ثقافة رياضة فرنسية
وحوش بشرية Algerian Reporters: وحوش بشرية

وحوش بشرية

وحوش

النمور الضارية والنسور الكاسرة، وحتى الأشجار الباسقة، والزهور الباسمة وجحافل النحل في السماء، تستقبل نهارها بثقة عالية، ودون أن يمتلك كل منها فلسا واحدا في جيبه.. فلم التجهم والعبوس أيها الذي يرتدي بنطلونا وقميصا وسترة بجيوب كثيرة؟

هل لمحت فيلا، بكامل وقاره، يقف بالطابور أمام صرّاف آلي، ويسحب نقودا ليسدد بها فاتورة هاتفه المحمول أو أجرة بيته؟ انظر إلى العندليب الذي يغني في القفص، وذاك القط الذي يطرب لصوته وهو يلعق شفتيه.. هل دققت النظر؟ إنهما لا يمتلكان مليما واحدا، لا يشتريان ثيابا جديدة، ولا يقفان أمام المرآة إلا بمحض الصدفة.. كل الكائنات اللطيفة -وحتى تلك التي يُحسب لها ألف حساب-  فقيرة مثلك، فتوقف عن التذمر والتشكي.

هذا المونولوغ، أعزي به نفسي كل صباح بعد أن أتحسس بطاقة الهوية والموبايل في جيبي الخلفي ثم أمضي في الزحام، واثقا من أن الحياة غنيمة بهيجة وإن لم تبدأ بعد، ولقد فزت بها من بين عشرات الملايين من الحيوانات المنوية المتسابقة نحو التتويج، والفوز بالبويضة في ذلك المارتون الخرافي المحموم، ضمن معجزة التلقيح والتتويج.

هذا الاحتفاء برونق الوجود وطهارته، خنقه هذا المساء وحشان بشريان يحملان سكينين، وجشعا كبيرا، ينتزعان مني جهاز الموبايل وبعض النقود.. وكل الفرحة بقضاء ليلة رائقة لا تعكرها الكوابيس، ولا يعقبها صباح أتجرع فيه الندم والحسرة والوجع مع قهوة الصباح.

لم يعنفني ولم يسرقني أسد جائع ولا فيل غاضب، ولم تلدغني أفعى كبرى رغم وقوع الحادثة أمام حديقة الحيوانات، وأنا قادم من “شارع الحرية” في قلب العاصمة التونسية.

هذه العملية يسمونها في تونس “براكاج”، وتعني السلب والسرقة عن طريق التهديد والتعنيف، وهو مصطلح فرنسي يكثر استعماله ومداولته وممارسته في بلادنا أكثر من أبناء لغته الأم، حتى أنه يصرّف على جميع مستويات الصياغة في العامية التونسية بل وصار مهنة واحترافا فيقال: هذا “براكير” وتلك “براكيرة” في بلد حرية المرأة والمساواة، وأغنية ما قبل الثورة الشهيرة “بالأمن والأمان يحيا هنا الإنسان”.

اشتكيت كل هذا إلى أصدقائي الحيوانات في الحديقة هذا الصباح، فقالوا لي بالإجماع: احمد ربك.. نحن رضينا بهذا المعتقل لأننا خفنا على أنيابنا وجلودنا وفرواتنا، وحتى سمومنا، ولو كنت تعيش معنا في تلك السافانا الأفريقية التي جئنا منها، لما تعرضت لمثل هذه الحادثة، ذلك أن لا حاجة لنا بالموبايلات والنقود، وحتى السكاكين. قد نضطر إلى التهامها -وحتى التهامك أنت- في حالات الضنك والعوز الشديد.. ثم من ضرب على يدك حتى تمتلك هذه الأشياء وتتمشى في “شارع الحرية”؟

وهنا يتدخل القرد العجوز بنصيحة لم أعرها انتباها شديدا.. أقسم أنه قال لي “افعل مثلي”.

القراءة من المصدر

الاشتراك في الخدمة البريدية اليومية

اخر الاخبار في بريدك الالكتروني كل يوم

إقرأ أيضا