الرئيسية جزائر مجتمع مغاربي شرق أوسط افريقي دولي الاقتصاد تكنولوجيا معلوماتية علوم صحة ثقافة رياضة فرنسية
الانتخابات التونسية.. كيف ترجّح الضّادُ الكفّة؟ Algerian Reporters: الانتخابات التونسية.. كيف ترجّح الضّادُ الكفّة؟

الانتخابات التونسية.. كيف ترجّح الضّادُ الكفّة؟

الانتخابات

تشيع، في الخطابات المناوئة للفصحى، ذريعةُ عجز الشعوب العربية، ولا سيما فئات الشباب، عن فهم هذا السجلّ العالي والتعامل به. ويسود الرأي أنَّ في مخاطبة هذه الفئات بالفصحى استعلاءً عليها، يُفضي إلى قَطيعة معها وسوء تواصل. كما يروّجُ أنَّ هذا السجلَّ قاصرٌ عن تصوير تطلّعات الطبقات الكادحة وعن الدلالة على حاجيات الناس اليومية، باعتباره خاصّاً بالمعاني المجرّدة وعوالم الأدب الرمزيّة.

فنّدت نتائجُ الدور الأول من الانتخابات الرئاسية التونسية هذه المُسلّمات ونَسفتها جميعاً، فلا يخفى أنَّ الفائز بأكبر عدد من الأصوات، قيس سعيّد، قد اختار، دون مُنافسيه، استعمال الفصحى في خطابه السياسي خلال الظهور الإعلامي وفي المناظرات.

دونما تنازلاتٍ أو عُقدٍ، تَنساب العربية على لسانه واضحةً، تصيبُ أهدافَها من التعبير، وتبلغُ ما يشاؤه لها من ألَق التصوير وهي تعرّج على مشاغل الحياة اليومية أو تفسّر قضايا العلاقات الدولية. وكما نكتشف في كثير من تعليقات مواقع التواصل الاجتماعي، يُمتع سعيّد سامعيه برشاقة الخيار الناصع، مع وجود مضمون فكريّ وابتعادٍ عن السفسطة والإنشاء. فخِطابُه، وإن توسّل بالأساليب الكلاسيكية، تجنّب التلاعبَ ووازن فيه بين أبعاد اللوغوس (العقلي) والباثوس (الوجداني) والإيتوس (الأخلاقي)، وفق نظرية عالم اللسانيات الفرنسي باتريك شارودو حول الخطاب السياسي.

وعلى عكس المرشحين الآخرين، الذين آثروا أن تكون شعاراتهم بالدّارجة بدعوى القرب من الجماهير، اتخذ هو شعاراً فصيحاً مُوجزاً: "الشعب يُريد" في إحالة ليس فقط إلى شعار الثورة: "الشَّعب يريد إسقاط النظام"، وإنما إلى قصيدة أبي القاسم الشابي (1909-1934)، "إذا الشعبُ يومًا أراد الحياة"، التي كان فيها لفظُ "الإرادة" مُنحدراً من ذاكرة الأدب العربي، ليس به شُبهة المرجعيات الغربية ولا لَوثةُ الاقتباس. وهو ما جذَّر هذا الشعارَ في الإرث الثقافي الأصيل، بعيداً عن التغريب والاقتراض.

هكذا، قاد سعيّد المناظرات التلفزيونية واللقاءات الصحافية، إبان الحملة الانتخابية وقبلها، بفصيح الضاد، متحدياً دعوات التبسيط التي تَحمل احتقاراً مُضمراً للشعب الذي تتكلم باسمه، معتبرةً إياه غيرَ قادر على فهم هذا المستوى من اللغة وغير مؤهل للنفاذ إلى مفاهيم القانون الدستوري ومسائل الحوكمة السياسية التي يَستحضرها في خطاباته، وجلها ذات طابع تفسيريّ، تهيمن فيه شخصيّة الأستاذ وطريقته، وهو أستاذ القانون الدستوري في الجامعة التونسية، وقد تقاعَدَ منذ فترة قصيرة.

والمفاجأة أنَّ الناخبَ التونسي قبِلَ هذا النوع من الخطاب واستساغه، خلافاً لما يُروَّج له، إذ صوَّت لصالحه قرابة 20 في المائة من الناخبين، أي إنّ واحداً من كل خمسة ناخبين قد اختار قيس سعيّد للمنصب السياسي الأعلى. واللافت أكثر، أنَّ نسبة 17% من ناخبيه لم يَسبق لهم التصويت من قبلُ، وأوّل صوتٍ منحوه كان لفائدته، وهم من فئة عمرية تتراوح بين 18 و25 سنة. ويُعتقد في هؤلاء أنّهم قد هجروا الضاد إلى لغات أخرى، أو إلى لغة وسيطة في أحسن الأحوال. فكأنّ خيارات سعيّد قد ساهمت في إخراجهم من اللا-اكتراث الانتخابي، بل وفي إرجاع هَيبة الدولة بعد أن تَفسَّخت خلال ولايتَي الرئيسيْن السابِقيْن، فضلاً عن الضعف التواصلي لسائر المرشحين. فاستخدام الضاد قد أعطى صورةً رسمية، جديّة وجديدة، عن الوظيفة العليا في الدولة.

وأما طبيعة هذه العربية فهي مُعاصِرة مفهومة، تحرّرت من أثقال البلاغة، عدا إحالات بديعيّة نادرة، لا تجعل منها كلاسيكيةً، مقطوعة عن العصر وشواغله، ومنها استعارته الرشيقة في تصوير برامج السياسيين كـ"وعود كافور الإخشيدي للمتنبّي"، وقد بات هذا التوصيف على كل لسان في تونس تصاغ منه الطرائف بالعاميّة. كما تظهر ضمن هذا الخطاب مرجعيات غربية يصوغها سعيّد في لسان عربيّ مبين، إذ يحيل إلى فلاسفة القانون في عصر الأنوار أو إلى الأفكار التأسيسية لآباء الاستقلال الأميركيين.

في كل ذلك، لا تعجز العربية الفصحى عن معالجة الشأن السياسي بتفاصيله وتشعباته. وعلى مستوى آخر، تكشف نتائج الانتخابات أن مرجعية الخطاب ليست بعيدةً عن السامع ولا غريبة عن آفاق انتظاره، بل لعل التلاقي بين رشاقة التعبير وراهنية المدلول هو الذي أبلغ رسالتَه إلى كل الفئات الكادحة والشبابية دون عناءٍ.

ليست الضاد هي التي أوصلت سعيّد إلى الدور الثاني، وليست هي التي قد تقوده إلى سدّة الحكم، ولكنها عنصر بارز في خطابه يرجّح كفّته، إذ تقترن الضاد، في المُخيلة العامة، بجديّة المحتوى ورسميّته. وفي حالته، اقترنت بالمضمون القانوني، ومِن زَواج العربية بالقانون، وانكبابهما على الشأن السياسي الداخلي، تضاعفت ثقة الناخب فاستجاب بأعداد كبيرة. وما دعّم هذه الزيجة برنامج طموحٌ وسمعة طيبةٌ. يبقى أنَّ بريق الضاد لا يكفي وحده لحلحلة أزمات البلاد الداخلية وهي عديدة.


* كاتب وأستاذ جامعي تونسي مقيم في باريس

القراءة من المصدر

الاشتراك في الخدمة البريدية اليومية

اخر الاخبار في بريدك الالكتروني كل يوم

إقرأ أيضا