الرئيسية جزائر مجتمع مغاربي شرق أوسط افريقي دولي الاقتصاد تكنولوجيا معلوماتية علوم صحة ثقافة رياضة فرنسية
الإنسان وأهوال هجراته المتكرّرة تستحيل ألوانا متضادة Algerian Reporters: الإنسان وأهوال هجراته المتكرّرة تستحيل ألوانا متضادة

الإنسان وأهوال هجراته المتكرّرة تستحيل ألوانا متضادة

الإنسان

استقبلت صالة “جانين ربيز” بالعاصمة اللبنانية بيروت معرضا للوحات الفنان التشكيلي السوري أحمد كليج المشغولة بمادة الأكرليك تحت عنوان “متاهات الروح”، حيث جاءت الأعمال بقياسات متعددة وضعت في مجموعات أو علقت منفردة وبعيدة عن بعضها البعض.

بيروت – لم يبارح الفنان السوري أحمد كليج في معرضه الجديد بصالة  “جانين ربيز” البيروتية ثيمة الإنسان وأهوال هجراته المتكرّرة. كذلك بدت أعماله الحالية كما في معارضه السابقة، لاسيما في معرضه الأخير الذي حمل عنوان “وجوه مُبعثرة”، وفية لبيئته الأصلية الكردية ولإرثها البصري الزاخر بالأشكال والتفاصيل والألوان. كما تشي بعمق تأثّره بالمجزرة الكبيرة التي تعرضت لها مدينة حلبجا في العراق في زمن الرئيس صدام حسين.

اللون الخصم

في هذا المعرض المعنون بـ“متاهات الروح” انتقلت وجوه أحمد كليج المُبعثرة التي قدّمها في معرضه السابق منذ ما يقارب الست سنوات أيضا في مدينة بيروت إلى “متاهات أرواحها” الأكثر تجريدية لتُبقي أصحاب هذه الوجوه، أي شخوص الفنان، في دائرة أجواء يصعب معها تحديد جغرافيا المكان والزمن الذي ظهرت فيها أو مارست عبرها ترحالها بهدوء قدري بات جزءا من كينونتها.

كما باتت شخوصه أكثر من قبل أشبه بظهورات لونية مُشبعة بومضات ضوئية ملونة تنتمي إلى حالتين متناقضتين متصلين بالضوء واللون جرى على تسميتهما، لاسيما في عالم الفوتوغرافيا، بـ”اللون الخصم” و“بالصورة البَعدية” أو “الأفتر إيماج”.

باختصار شديد “الأفتر إيماج”هي بشكل عام عبارة عن وهم بصري وتعني باللغة العربية “الصورة البَعدية”، هي صورة  تظهر في رؤية المرء بعد توقف التعرض للصورة الأصلية. إنها المنطقة الخافتة التي يبدو أنها تطفو أمام أعين المرء كالشبح بعد النظر لفترة وجيزة في مصدر الضوء، مثل فلاش الكاميرا ويمكن رؤية هذه الظاهرة عند الانتقال من بيئة مشرقة إلى بيئة قاتمة.

أعمال الفنان تحيط بها هالات ضوئية تتكثّف حينا وتسرح في عرض اللوحة حينا آخر وتنتمي في ذلك إلى عالم «الصور البَعدية»

وجدنا في كلمات الفنان أحمد كليج التي ذكرها في إحدى مقابلاته الصحافية صدى مدويا في مبدأ “الصورة البَعدية”، وهو الذي قال “اللوحة هي الذاكرة التي نعيشها في الراهن”. وقد تتالت أعمال الفنان على هذا النحو لتُصبح سيرة ماض اتخذ من الحاضر مرتعا شبحيا شاحبا له، ولكن حافظا لحق الحاضر أن يتبدل ويتحوّل ويقول كلمته.

ومن أهم الأمثلة عن ظاهرة “الصورة البَعدية” لوحة للفنان تمثل بورتريه مشغول بخطوط متقشفة ودقيقة جدا ومكسوّ بلون أحمر شفّاف يحيل المُشاهد إلى الإحساس بالضوء الملوّن أكثر من إحساسه بلون مُضاء. هذه اللوحة ربما ستكون مُستقبلا نقطة انطلاق لأعمال كليج، حيث تصبح صوت “الصورة البَعدية” أقوى من الصورة الأصلية.

العديد من أعمال الفنان أحمد كليج الحاضرة في الصالة، إن كانت وجوها ذات نظرات تائهة، أو أشخاصا يتنقلون وكأنهم يطفون على صفحات من ماء ملون، أو نسوة يقفن أو يجلسن بالقرب من أمتعتهنّ المتحوّلة إلى جزئيات عابرة وشديدة الشعرية، تلفها هالات ضوئية تتكثّف حينا وتسرح في عرض اللوحة حينا آخر وتنتمي في ذلك إلى هذا العالم البصري المُسمى بـ“الصور البَعدية”.

ليس فقط في الشكل، ولكن أيضا في المضمون، حيث تنتمي العديد من أعماله إلى هذا العالم، إذ أنها تتحدث عمّا بعد أهوال الحرب والتهجير حتى وهي في عملية تشخيص للحظاتها.

لوحات بارقة

عالم فني مشبع بالألوان الضوئية والهالات الشبحية
عالم فني مشبع بالألوان الضوئية والهالات الشبحية

من ناحية ثانية ظهر في لوحات الفنان أحمد كليج النمط النقيض -لكن من ضمن أسلوبه الفني الواحد- والذي جرى على تسميته في عالم الألوان  بـ“اللون الخصم” أو “الألوان الخصم”.

وتأخذنا هذه الألوان إلى رحلة في التداخل والتجاور والتناحر ما بين أطوال موجات الضوء المختلفة. أعمال الفنان هنا بالتحديد تكاد أن تكون تطبيقا شعريا لمبدأ ألوان “الخصم”، فمقابل الأحمر يوجد الأخضر، ومقابل الأزرق يوجد الأصفر، أما أمام الأسود فيحضر الأبيض.

كما تميزت أعمال الفنان في معرضه الجديد، كما في معرضه السابق، كونها تشكّل شخوصا خرجت عن جغرافية الفجيعة الخاصة إلى ما هو عام وبات مُكرّسا عالميا، فالعزلة في لوحته تخطت آثار الحروب لتغطي ندوب الحروب الشخصية مع الذات والعالم. هكذا، وبهذه الخلطة الكيميائية الخبيرة شيّد الفنان عالمه الفني المُشبع بالألوان “الضوئية” والهالات الشبحية.

وربما بفضل هذه المعادلات اللونية والتشكيلية ساد هدوء غريب في لوحات أحمد كليج. هدوء ارتبط ارتباطا وثيقا بمكان “اللامكان” وزمان “اللازمان”، بمعنى أن ما ظهر في لوحاته من وجوه وهامات بشرية وهي في وهلة مُغادرة الأمكنة أو الركون إلى الغياب أو التجمّد في اللحظات الخاطفة قد استطاعت أن تستوعب عنُصري الزمان والمكان كجزأين من بنيانهما الداخلي.

قد أخذت لوحة أحمد كليج طويلا لكي تهدأ وتهدّئ معها الزوابع الخارجية المحيطة بها ولكن حين فعلت، جاءت في هذا المعرض “بارقة”. وهذا هو جوهرها الطاغي.

يُذكر أن الفنان السوري أحمد قليج من مواليد عفرين سنة 1964، وقد نشأ في “حي السريان” في مدينة حلب حيث كان مأخوذا بالرسم كهواية في مراحل الدراسة الأولى. ثم اختار التخصّص في مادة الكيمياء ليغادرها لاحقا نحو الفن. لينتقل إثر ذلك من حلب إلى لبنان، بلد التحوّلات والغنى الثقافي الهائل، كما يصفها، ثم إلى هولندا حيث يعيش مع عائلته في انهماك كلي بفنه الذي يتطوّر مع تراكم التجارب الشخصية، وتلك المُتّصلة بوطنه سوريا بشكل خاص.

القراءة من المصدر

الاشتراك في الخدمة البريدية اليومية

اخر الاخبار في بريدك الالكتروني كل يوم

إقرأ أيضا