الرئيسية جزائر مجتمع مغاربي شرق أوسط افريقي دولي الاقتصاد تكنولوجيا معلوماتية علوم صحة ثقافة رياضة فرنسية
الشاعر والمشترك الإنساني.. بحث عن التأثير أم عن عالمية مزيفة؟Algerian Reporters:الشاعر والمشترك الإنساني.. بحث عن التأثير أم عن عالمية مزيفة؟

الشاعر والمشترك الإنساني.. بحث عن التأثير أم عن عالمية مزيفة؟

الشاعر

عبد الغني بلوط-مراكش

تتسارع التغيرات في القيم الإنسانية زمن العولمة، وتنزع تصرفات الإنسان أكثر فأكثر إلى تحطيم تلك القيم، في وقت يبحث فيه الشعر الآن عن المشترك الإنساني المحدث للأثر المقاوم لتلك التغيرات.

إن موضوعات مثل السلم والحب ونبذ الكراهية وغيرها هي موضوعات إنسانية تناولها الشعراء منذ فجر الإنسانية، بيد أن التساؤل الذي بات ملحا هو هل تلك الموضوعات كافية لجعل الشعر يستجيب لما نبحث عنه في العمق؟ أم قد يصير الأمر استجداءً من الشاعر للاهتمام بكتابته خاصة عن طريق المراهنة على الترجمة إلى لغاتٍ أجنبية بحثًا عن عالمية مزيَّفة؟

نزعة كونية
يقول الشاعر والناقد عبد الحق ميفراني للجزيرة نت إن الشعر مدرسة الحياة، وهو القادر على تجسير الهوة بين الكثير من مفارقات العالم، وإعطاء إنسانية الإنسان المكانة الراقية والأسمى، فمنذ هوميروس إلى اليوم سيظل الشعر الجنس التعبيري الأرقى على احتواء كل كينونات الإنسان، على اختلافها.

كما أن الشعر يمجد القيم الإنسانية ويواجه الآني والسريع والمبتذل، وهي تحديات أساسية لن يواجهها الشعراء اليوم إلا بمزيد عمق وترسيخ قيم وكشف تناقضات عالَم معولَم، وهو سيظل آخر قلاع الحرية كما كان، وستمكث له قدراته التوقعية بالمستقبل، يؤكد الأكاديمي عبد الفتاح شهيد للجزيرة نت.

في حين يقول الشاعر والناقد عبد اللطيف السخيري للجزيرة نت إن الشعر نزوع كوني بلا منازع، ولعل مركزية اللغة في حياة الإنسان كافية لوحدها لجعله يعيش بطريقة شعرية في الوجود من خلال الموجود، كما يؤكد الشاعر الألماني الكبير فردريش هولدرلين.

عبد الحق ميفراني: الشعر قادر على تجسير الهوة بين الكثير من مفارقات العالم (الجزيرة)

صوت ومعرفة
نبحث في الشعر عن المتعة وتذوق الجمال، ويبهرنا الشاعر بحدسه وموهبته، لكن هذه النظرة قد تكون تبسيطية في نظر عدد من النقاد. إذ إن عددا من المفكرين بنوا أفكارهم على تجارب شعرية، مثل ما قام به الفيلسوف الألماني مارتن هايدجر أو الشاعر فردريش هولدرلين نفسه.

ويقول الناقد خالد بلقاسم في هذا الصدد للجزيرة نت إن الحدس والموهبة غير كافيين لإنتاج شعر مؤثر، إذا لم يتزود بالمعرفة خاصة ما تعلق بسيرورة الشعر ذاته وتحولاته التاريخية.

في المقابل، يرى الناقد حسن المودن في حديث للجزيرة نت، أن هناك جناحا ثانيا يعتبر الشعر صوتا فقط، ليس بمعناه اللساني البسيط، ولكن تلك الصرخة التي أطلقها الإنسان مند بدايته في هذا الكون، وما زال يطلقها إلى اليوم، وهي نابعة من روحه من أجل التعبير عن كينونته الفياضة في بعدها الإنساني.

ويبرز ميفراني أن صوت الشاعر ظل دوما صوت هذا المشترك الإنساني الذي يوحدنا جميعا، ويجعلنا أقرب للإنصات لكينونة الإنسان.

استئناف شعري
يحتاج الشعر الآن إلى شاعر يعانق الأفق الإنساني، ويمارس ذلك "الاستئناف الشعري" بما يعنيه ذلك من سيرورة في الشعر والبحث عن المنفلت المستشرف للمستقبل في الكتابة وإعادة الكتابة، كما يشرح خالد بلقاسم.

عبد اللطيف السخيري: الشعر نزوع كوني بلا منازع (الجزيرة)
وفي هذا الإطار يشير السخيري إلى أن تجربة درويش مارست ذلك العناق، ورسخت معاناة الذات والجماعة (الإنسان الفلسطيني) في المشترك الإنساني من خلال الجمع بين التشابهات (تجربة العرب في الأندلس، وإبادة الهنود الحمر، وحاجة الطرواديين إلى شاعر يخلد هزيمتهم في سموها الإنساني...) وبين الاختلاف الذي يجعل الفلسطيني مترسخًا في الوطن من خلال اللغة والبعد التراجيدي.

ويبرز أن "الاستئناف الشعري" الذي تشهد عليه دواوينه في اختياراتها اللغوية والجمالية التي لا ينفصل فيها شكل القصيدة عن مضمونها في رسم معالم الحداثة الشعرية.

أثر الشعر
يدرك الشاعر أن للشعر أثرا آنيا في بعده التربوي والفني والجمالي، لكن في الجانب الفلسفي وتأثيره على القضايا الكبرى هو تأثير بطيء، وقد يحتاج في لحظة معينة إلى من يستوعبه ليحوّله إلى فعل عميق في التاريخ يتناغم ومستقبل الإنسانية.

لذا يقول بلقاسم إن الكتابة الشعرية الواعية هي كتابة متأنية، وأثر الشعر مرتبط بالقراءة وبالانتساب إلى الديمومة التي تشغل بال الشاعر. فلا بد أن نعثر على ذلك الدائم المستمر، فامرؤ القيس هو واحد منا ليس بالإرادة ولكن قراءة عميقة تستطيع أن تجعل من "قفا نبك.." سارية فينا إلى اليوم.

كما أن الشاعر محمود درويش أسس تجربة شعرية وفيّة لجوهرها، ومنصتة لنبض القصيدة وهي تقتات من ذات الشاعر ليس بحثا عن الخلود، ولكن -كما يقول بلقاسم- من أجل جعلها منفتحة على القراءة وديمومتها، ممثلة في قارئ يستضيفها مستمعا لنداءات الشاعر فيها، كي تحيى حياةً متجددةً تنمي ما تزخر به من مشتركٍ إنساني.

عبد الفتاح شهيد: الشعر يكتسب شكله الفني المغرق في الشعرية (الجزيرة)

وعي جمالي
كل ذلك لا يعفينا من أن نتساءل: هل يبحث الشعر عن المشترك الإنساني أم عن المختلف الذي يؤكد على تنوع آفاق النظر إلى ذلك المشترك، فيؤكدهُ عليه بوصفه حقا في الاختلاف؟

لن يغير من الحقيقة في شيءٍ القول إن النزوع إلى الكونية قد يتخذ مظهرا طوباويا يُبعد الشاعر عن ذاته وعن خصوصية سياقه الثقافي والاجتماعي، يقول السخيري.

ويؤكد أن جل التجارب الشعرية ذات الصيت الإنساني الذي يتجاوز التاريخ والانتماء الجغرافي والثقافي، تؤكد أن الانطلاق إلى الإنساني لا يكون إلا بالغوص فيما هو خاص بالذات وبثقافتها.

في حين يقول أستاذ النقد الأدبي وتحليل الخطاب عبد الفتاح شهيد إن الشعر لا يكتسب قيمته من غيره وخارجه وسياقه، بل من شكله الفني المغرق في الشعرية المنتج للجمال والجلال، وذاته الإبداعية المحفوفة بقيم الفن المجدولة بعمق المعرفة.

ويضيف آنذاك سيكون الشعر الأداة العظيمة لتجاوز الزمان والمكان، والمرقى الأساس لتأسيس وعي جمالي وحس إبداعي ما أحوجنا إليه اليوم في عالم متناقض يحتفي بالفراغ ويؤسس للخواء الفكري والعاطفي.

القراءة من المصدر

الاشتراك في الخدمة البريدية اليومية

اخر الاخبار في بريدك الالكتروني كل يوم

إقرأ أيضا