الرئيسية جزائر مجتمع مغاربي شرق أوسط افريقي دولي الاقتصاد تكنولوجيا معلوماتية علوم صحة ثقافة رياضة فرنسية
Algerian Reporters:المشوار الانتقالي

المشوار الانتقالي

المشوار

مساهمة: من بين كل الانجازات الرائعة للثورة الديمقراطية السلمية التي نزلت يمنا و بركة على هذه الأرض الطيبة هناك إنجاز أكثر بروزا يدعو للوقوف عنده؛ لقد نفثت هذه الثورة روح الحوار في الفضاء العام و أنجبت حياة ديمقراطية نابضة و خصيبة؛ و أصبح ينعش الحياة الديمقراطية هذه تنوع الرؤى و تعدد الآراء و الاحتكاك الصحي للأفكار و كذا تقارب أو تباعد الأحاسيس و القناعات. و هكذا استعاد النقاش الديمقراطي في بيت الجزائر معناه و علة وجوده؛ إن النقاش الديمقراطي لا يضعف المجتمع و لا يخل البتة بتوازناته؛ بل على العكس تماما فإنه علامة من علامات صحته و عافيته؛

و في النقاش الديمقراطي لا توجد مضيعة للوقت و ما يوجد فيه يقينا هو التأكد من أن لا خيار ينتج عنه إلا و هو مدعم بأوسع قبول و في خدمة أعرض الشرائح و الفئات.

و أخيرا ما يتوجب التشديد عليه هو أن لا خشية أن يحدث النقاش الديمقراطي الشروخات غير المرغوبة و أن يتسبب في انقسامات غير مفيدة؛ بالعكس فإنه يوفر للمجتمع فرص الالتفاف حول الخيارات المتوصل إليه بالتزام أكبر و تمسك أقوى إحساسا منه أنه كان طرفا فاعلا في صنعها و أن إرادته جزء لا يتجزأ عن الإرادة العامة التي مكنت من الوصول إليها.

و مما لا شك فيه أن الحياة الديمقراطية و هي تضرب بجذورها في أعماق مجتمعنا من جديد قد عبدت الطريق لتصالح مواطناتنا و مواطنينا مع الفعل السياسي الشريف و النبيل؛ فلم يعودوا يرون فيه مجرد حسابات دنيئة و مناورات بغيضة و تلاعبات تخدم الأطماع الشخصية تحت القناع الغشاش لخدمة الصالح العام المزعومة؛  و هكذا مكنت الثورة الديمقراطية السلمية السياسة من استرجاع نبلها و سامي معانيها و مقاصدها لتصبح من جديد قدوة و منارا.

و في الوقت الذي يلفظ فيه النظام القديم آخر أنفاسه قبل زواله و يصعب فيه على النظام الجديد شق طريقه فإن نقاشا وطنيا حاسما قد فرض نفسه بيننا؛ و يتمحور هذا النقاش حول إشكالية كبرى و هي إشكالية الانتقال الديمقراطي؛ و باتت هذه الإشكالية تسكن كل الأذهان؛ و هي على كل الشفاه؛ و هي حاضرة في كل الحوارات خاصة كانت أم عامة؛ و كل واحد منا له بشأنها فكرة أو ميولا أو حتى حلا.

فبمفهومه الجد مبسط و الحرفي يعني مصطلح الانتقال التحول من وضع إلى وضع آخر أو من نظام إلى نظام آخر؛ و حتى هذا التعريف القاعدي يعكس مدى صعوبة و تعقيد انجازه؛ فالأمر يتعلق أصلا بمعرفة أين نحن و أين نريد أن نذهب و ما هو الطريق الأسلم الذي يتوجب انتهاجه للوصول إلى المبتغى؛ و من هذا المنظور فإن الانتقال الناجح و الناجع هو ذلك الذي يأتي بالأجوبة السليمة على هذه الأسئلة الصائبة.

فما هو وضع بلدنا من هذه المعضلة؟ يبدو لي أنه من الممكن حصر هذه الأجوبة على هذه الأسئلة في جملة معبرة واحدة: إن بلدنا في نقطة التقلب نحو الطريق المؤدي إلى الانتقال الديمقراطي.

ما هي نقطة التقلب هذه و ماذا تعني؟ إنها بمثابة خط القمم الذي يوجد بلدنا عليه راهنا و الذي يسمح له برؤية النظام السياسي القديم الذي اهتزت أسسه و أركانه لكنه لا يزال متحصنا و مقاوما؛ كما يسمح خط القمم هذا و في الوقت ذاته برؤية النظام السياسي الجديد الذي يطمح إليه شعبنا و الذي ينتظر ساعة بعثه الآتية لا محالة.

إن نقطة التقلب هذه تعني فيما تعنيه أن القبضة الحديدية بين النظام السياسي القديم و النظام السياسي المكتوب له استخلافه لا تزال متواصلة و لم يظهر بعد صاحب الغلبة فيها.

و بالفعل فإن مصمم النظام السياسي القديم و مهندسه قد رحل، كما تم تحييد العقل المدبر للقوى غير الدستورية التي استولت على مركز صنع القرار الوطني و استحوذت على السلطات الدستورية اللصيقة به منذ سنة 2013؛ أما النظام السياسي ذاته فإنه حقا في حالة ارتباك و ذهول لكنه لم يقل كلمته الأخيرة و هو بعيد كل البعد عن الاستسلام دون قيد أو شرط  فهو مسيطر على أهم المؤسسات الدستورية للدولة و تحديدا رئاسة الدولة و الحكومة و مجلس الأمة و المجلس الشعبي الوطني و المجلس الدستوري؛ و الإدارة العمومية التي وضعت نفسها تحت أوامره وحده و خدمته حصريا على مدى العشريتين الماضيتين لا تزال قائمة؛ و زبائنياته الاقتصادية المتنوعة و المتعددة لم يتم بعد تفكيكها الكلي؛ و الأحزاب السياسية التي عاهدته بولاء لا محدود و لا مشروط قد شرعت في التنكر و التفتح و التلون دون أن توهم أحدا و هي تلجأ إلى تدوير آلي لوجوه سياسية يصعب عليها فصل صورتهم عن صورة نظام سياسي منبوذ و محكوم عليه بالذهاب دون رجعة؛ و النقابات و الجمعيات التي باعت الروح و الضمير و اشترت بها المزايا و الامتيازات لم ترمي المنشفة بعد؛ و القضاء بعد ترويضه و تدجينه لمدة جد طويلة يخطو في الأثناء هذه خطواته الأولى نحو استعاده استقلاله لكن هدفه هذا لا يزال بعيد المنال و قضيته هذه لم تكسب بعد؛ و حتى الإعلام العمومي و بعد التجرؤ على المطالبة بنفس الاستقلالية و التحمس لها أيما حماس فهاهو يعطى الانطباع بالعودة إلى عاداته القديمة مجبرا أو مكرها.

كل هذه المعاينات تفرض علينا العودة إلى الواقع الحق و مواجهته كما هو و ليس كما نريده أن يكون؛ كما تحملنا هذه المعاينات إلى الخروج من النشوة التي تغمرنا و وضع الأقدام على الأرض من جديد؛ و لحظتها فإننا ندرك إدراكا لا شك فيه و لا لبس عليه أن النظام السياسي القديم لا يزال يحتل الفضاء السياسي و المؤسساتي احتلالا شبه كامل و أن النظام السياسي الجديد لم ينجح في وضع و لو لبنة واحدة في لبناته؛ و الحال هذا، أيعقل أن يحل نظام آخر محل نظام لا يزال متجذرا في واقعنا السياسي الراهن و مهيمنا على كل مفاصل الدولة بكل ما أوتي من ثقل و قوة؟

لقد وجهت الثورة الديمقراطية السلمية ضربات قاسية للنظام السياسي القديم لكنها لا تزال بعيدة عن القضاء عليه و التخلص منه؛ و نتيجة هذا الواقع هي أن بلدنا في نقطة تقلب لكن التقلب نحو الطريق المؤدي للانتقال الديمقراطي المنشود لم يحدث بعد و المتسبب في هذا الوضع سببان: هناك من جهة المقاربة الدستورية الصرفة لحل الأزمة التي تُبقي على النظام السياسي القديم في معاقله السياسية و المؤسساتية؛ و هناك من جهة أخرى و في نفس الوقت الإطالة غير المبررة في عمر النظام التي تشكل سدا منيعا يعيق انتهاج الطريق القويم المؤدي إلى الانتقال الديمقراطي الذي يريده شعبنا.

ما هو هذا الطريق ذو المدخل المسدود؟ إنه طريق العودة إلى مسار الانتخابات الرئاسية.

إن العودة إلى هذا المسار لا تعتبر انتقالا في حد ذاتها؛ و لا هي بداية هذا الانتقال؛ و ما هي في حقيقة أمرها سوى مرحلة تحضيرية لاستحقاق رئاسي يُنتظر منها توفير شروط الشفافية و النزاهة و النقاوة التي يتطلبها هذا الاستحقاق و التي تطالب بها الثورة الديمقراطية السلمية ذاتها؛ و في هذا السياق فإن إجراء انتخابات رئاسية متسمة بهذه المواصفات و محصنة بهذه الشروط هو الذي سيشكل فعليا نقطة انطلاق المسار الانتقالي.

و من هذا المنظور فإن هذه المواصفات لا تتوفر إطلاقا في الاستحقاق الرئاسي المزمع عقده في 4 جويلية القادم؛ كما أن هذه الشروط لم تجتمع البتة لضمان حسن صيرورته و قبوله؛ و أكثر من هذا فإن الحد الأدنى من هذه المواصفات و الشروط غير قائم و غير مضمون.

إن هدف التسريع في سد الفراغ المؤسساتي و إعادة الشرعية للمؤسسات الدستورية و انتهاج أقصر الطرق و أقلها خطورة و تكلفة لتحقيق ذلك هو خيار يمليه التعقل و التبصر؛ غير أن نفس المنطق يمنع الخلط بين السرعة و التسرع و يحذر من مغبة تجاهل المشاكل الحساسة المطروحة باسم نجاعة ليس لها من النجاعة سوى الاسم.

إن الانتخابات الرئاسية المزمع إجراؤها في 4 جويلية المقبل غير ملائمة سياسيا و غير قابلة للتحقيق ماديا كما أنها مخاطرة جوهريا؛ إنها تثير أسئلة أكثر مما تقدم من أجوبة؛ و من بين كل هذه الأسئلة الواردة هناك أربعة ذات الطابع الأساسس و المبدئي:

ما هو معنى و مغزى استعادة السيادة الشعبية و هي تخطو خطواتها الأولى بفرض انتخابات رئاسية يرفضها الشعب و لا يقبل بشروط و ظروف تحضيرها و تنظيمها؟ فالشعب بصفته الهيئة الناخبة و السلطة التأسيسية أصيلة و المصدر كل الشرعيات المؤسساتية ينبذ نبذا مدويا هذه الانتخابات التي يتم تصورها و تسييرها في منأى كامل عن طلباته و الحاحاته؛ إن الحكمة و البصيرة في الإصغاء إليه و في الاستجابة المرضية لمطالبه التي حرص كل الحرص على وضعها في حدود العقلانية و الأحقية و المشروعية.

و ما هو هذا الإسهام في حل الأزمة التي يراد من هذه الانتخابات أن تأتي به و الحال أن العين المجردة ترى فيها عامل توتر و ليس عامل تهدئة و منبعا لتزايد التوترات و ليس لإخمادها أو إطفائها؟ فإن تعلق الأمر بعمر الأزمة فإن هذه الانتخابات لا تقصر بل تمدد فيه.

و ما هي هذه الانتخابات التي ينتظر منها وضع الحجر الأساس لانتقال ديمقراطي حقيقي و التي بحكم التشكيك فيها و الاختلاف حول شروط و ظروف صيرورتها تفقد كل صدق و مصداقية و شرعية لانتقال ديمقراطي يراد لها أن تكون محطة انطلاقته السليمة؟

و أخيرا ما هي هذه الانتخابات التي ينتظر منها أن تمكن البلد من معاودة البلد سيره إلى الأمام و رفع التحديات الخارقة للعادة التي تواجهه سياسيا و اقتصاديا و اجتماعيا و الواقع أنها تحولت إلى حاجز مانع يعتري سبيله؟

نعم! يتوجب الإقرار بأن هذه الانتخابات لم تكن و لا يمكن أن تكون المسلك السليم بل هي في واقعها الجلي طريق مسدود.

يمكن فعل كل شيء ضد شعب قام من أجل فرض قبضته على تقرير وصنع مصيره عدا مصادرة إرادته و إسكات صرخاته الوجدانية و تحطيم أحلامه.

و لكي تكون في مستوى التطلعات التي تثيرها و مفصلية حقا بالنسبة لمستقبل الأمة يتوجب إحاطة هذه الانتخابات الرئاسية بعناية أكبر و بتصور أرقى؛ فهي ليست بالاستحقاق العادي و إنما هي منعرج و منعطف في قمة الدقة و الحساسية.

و عليه لا يوجد خلاف أو نزاع حول إعطاء المرحلة التحضيرية للاستحقاق الرئاسي الوقت الكافي – و كل الوقت اللازم- لضمان حسن تحضيرها و تنظيمها؛ لكن تمديد هذه المرحلة التحضيرية خارج الآجال المعقولة و غير القابلة للتقليص من شأنه أن يبقي البلد في حالة لا استقرار و يعرضه لانحرافات و انزلاقات واردة يصعب إن لم يستحيل التنبؤ بها.

لقد أفرز النقاش الوطني الواسع الذي يحتضنه بلدنا راهنا مخارج عدة للأزمة السياسية القائمة.

و ما يتوجب فعله هو اختيار أقصر الطرق و أكثرها أمنا و أقلها تكلفة للبلد.

إن ترتيب أولويات الساعة المطلقة هو في صميم هذا الاختيار الفاصل.

ما هي هذه الأولويات المطلقة التي يتوجب ترتيبها؟

يتعلق الأمر أولا بسد الفراغ المؤسساتي المقلق حقا و هو الفراغ الذي تشكل الدولة الوطنية أكبر ضحية له لما أصابها به من اهتزاز لأركانها و إضعاف لأدائها و تهديد لكيانها؛ و يتعلق الأمر ثانيا بإعادة الشرعية لكافة مؤسسات الجمهورية بدأ بالمؤسسة الرئاسية بصفتها المؤسسة المحورية في منظومتنا السياسية و الدستورية؛ و يتعلق الأمر ثالثا و أخيرا بتجنيب البلد دفع تكلفة باهظة نظير إعادة بنائه الديمقراطي و ذلك سياسيا و اقتصاديا و اجتماعيا.

إذا تم تشخيص و ترتيب أولويات البلد على هذا النحو فإن خيار الرئاسيات يفرض نفسه دون منازع كالخيار الأنجع و الأمثل مقارنة بكل الخيارات الأخرى المعروضة حاليا.

و في سياق الانتخابات الرئاسية سيأتي تلقائيا وقت الانتقال الديمقراطي الهادف و المنظم و الناجع؛ فإذا كان الشعب هو قائد عربة الانتقال الديمقراطي فإن الرئاسيات هي محركها.

و لا شك أن بمناسبة هذا الاستحقاق سيفرض الشعب نفسه كصاحب السيادة الوطنية و كمنبع لكل السلطات؛ و لا شك أيضا أن البرامج المعروضة عليه في إطار هذا الاستحقاق ستضعه  أمام خيارات حاسمة سواء تعلق الأمر بالنمط الجمهوري الذي ينبغي ابتكاره من جديد أو بالنظام السياسي الذي باتت إعادة تأسيسه مطلبا مصرا و ملحا أو بالدولة الديمقراطية العصرية التي يجمع شعبنا على ضرورة بعثها في إطار المشروع الوطني الجديد و المجدد.

وسيتسنى لشعبنا وهو الشعب الحر إن يعرب عن اختياره دون إكراه أو خوف.

لا يساورني أدني شك إن العهدة الرئاسية القادمة ستكون و بامتياز عهدة انتقالية –أي العهدة المنظمة للانتقال الديمقراطي الحقيقي.

و من هذا المنظور و بفضل الشرعية التي سيحضى بها فإن صاحب العهدة الرئاسية الانتقالية سيحمل على عاتقه عبء التطلعات الشعبية التي سيعهد إليه تحويلها إلى وقائع ملموسة و إلى سياسات لا عنوان آخر لها سواء عنوان القطيعة و التجديد.

إن الإرث غير مريح و غير مطمئن إطلاقا؛ فبيت الجزائر قد دمر دمارا شاملا؛ فلا يوجد فيه ما يمكن إصلاحه أو ترميمه أو تجديده؛ و في كل جزء أو شبر من المشهد الوطني هناك ورشة تقتضي فتحها؛ و كل خطوة يجب القيام بها هي بمثابة تحدي للمستقبل؛ ذالك المستقبل الذي يهون حمله على محمل التحدي من خلال تخصيب قضائه و تثمين أقداره.

 

          علي بن فليس: رئيس حزب طلائع الحريات

الجزائر يوم15  ماي 2019

ملاحظة: ما ينشر من مساهمات لا تعبر بالضرورة على رأي رأي وموقف الموقع

القراءة من المصدر

الاشتراك في الخدمة البريدية اليومية

اخر الاخبار في بريدك الالكتروني كل يوم

إقرأ أيضا